تمنح كرة القدم دائماً مساحة للحلم، وتعيش كأس العالم تحديداً على المفاجآت وقصص المنتخبات التي تتحدى التوقعات، لكن تاريخ البطولة الممتد لما يقرب من قرن كامل يكشف جانباً آخر، حيث تبدو رحلة الوصول إلى اللقب مرتبطة بمجموعة من القواعد غير المكتوبة التي تكررت عبر الأجيال، وجعلت دائرة الأبطال أضيق بكثير من عدد المشاركين.

تأتي نسخة كأس العالم 2026 مختلفة عن كل ما سبقها بعدما ارتفع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخباً للمرة الأولى، لكن اتساع المنافسة لا يعني بالضرورة اتساع قائمة المرشحين للتتويج، إذ تشير قراءة تاريخ البطولة إلى أن مجموعة صغيرة فقط من المنتخبات تملك العوامل التي اجتمعت غالباً لدى الأبطال السابقين.



تاريخ كأس العالم الممتد على مدار 96 عاماً و22 نسخة سابقة، يمكن استخدامه لرسم ملامح المنافسة في نسخة 2026، اعتماداً على مجموعة من المؤشرات المشتركة بين المنتخبات التي رفعت الكأس منذ انطلاق البطولة، لتتقلص قائمة الـ48 منتخباً في النهاية إلى 5 أسماء فقط هي الأرجنتين وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا، وهولندا.

تظهر أولى قواعد التاريخ في سيطرة منتخبات أوروبا وأمريكا الجنوبية على البطولة، إذ لم يسبق لأي منتخب من خارج القارتين الفوز بكأس العالم، بل إن الوصول إلى المباراة النهائية ظل حكراً على 13 منتخباً فقط، منها 10 أوروبية و3 من أمريكا الجنوبية.



وتتسبب هذه القاعدة في استبعاد 26 منتخباً من حسابات اللقب، من بينها المنتخبات الثلاثة المستضيفة وهي الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، إلى جانب المغرب، رغم التطور الكبير الذي حققه منتخب «أسود الأطلس» خلال السنوات الأخيرة بعد بلوغ نصف نهائي كأس العالم 2022، والفوز بكأس العالم تحت 20 عاماً في 2025، وحصد برونزية.

وتدخل المنتخبات المضيفة عادة البطولة بفرص أكبر مستفيدة من عاملي الأرض والجمهور، بعدما نجحت 6 منتخبات في التتويج على أرضها عبر التاريخ، لكن هذه الإنجازات ارتبطت بمنتخبات كانت تملك بالفعل مقومات المنافسة على اللقب قبل انطلاق البطولة.



واعتمد المعيار الثاني على تصنيف «إيلو» العالمي للمنتخبات، وهو نظام إحصائي ظهر في الأساس لتقييم لاعبي الشطرنج قبل أن يتم تطبيق فكرته على كرة القدم، ويقوم على قياس قوة المنتخبات من خلال نتائج المباريات ومستوى المنافسين، بحيث يمنح الفوز على منتخب قوي قيمة أكبر من الفوز على منافس أقل تصنيفاً، ومنذ انطلاق كأس العالم، أظهرت الأرقام أن جميع المنتخبات التي توجت باللقب كانت ضمن أول 17 منتخباً في تصنيف «إيلو» قبل بداية البطولة، ما يؤكد ارتباط الفوز بالمونديال غالباً بالمستويات الثابتة قبل المنافسات.



وكان منتخب أوروغواي عام 1950 صاحب أقل تصنيف بين جميع الأبطال عندما دخل البطولة في المركز الـ17 قبل أن يفوز باللقب في البرازيل، بينما كان 15 بطلاً من أصل 22 نسخة بين أول 4 منتخبات في التصنيف قبل بداية المنافسات.

وبناءً على هذا المعيار، ابتعدت منتخبات مثل باراغواي والنمسا وأسكتلندا والتشيك والسويد والبوسنة والهرسك عن دائرة الترشيحات.. كما أن منتخبات الولايات المتحدة وكندا والمغرب والمكسيك لم تكن ستستمر في السباق وفق تصنيف «إيلو»، حتى إذا تجاوزت المعيار الأول المتعلق بتاريخ تفوق منتخبات أوروبا وأمريكا الجنوبية.



وتكشف القاعدة الثالثة جانباً متعلقاً بجودة النجوم، إذ لم يسبق لأي منتخب أوروبي الفوز بكأس العالم دون امتلاك أكثر من لاعب حصد الكرة الذهبية عبر تاريخه، وهو المعيار الذي أبعد منتخبات بلجيكا وكرواتيا والنرويج وسويسرا وتركيا.

وتملك فرنسا الرقم الأكبر بين المنتخبات الأوروبية في عدد اللاعبين المختلفين الفائزين بالكرة الذهبية بـ6 أسماء، مقابل 5 لألمانيا وإيطاليا، و4 لإنجلترا، و3 لكل من هولندا والبرتغال وإسبانيا، ما يوضح العلاقة التاريخية بين امتلاك المواهب الفردية الكبرى والقدرة على الوصول إلى القمة.



وجاء العامل الأخير مرتبطاً بالمدربين، حيث لم يسبق لأي منتخب تحقيق كأس العالم تحت قيادة مدرب أجنبي، وهي القاعدة التي أبعدت مجموعة من الأسماء الثقيلة في نسخة 2026، وعلى رأسها البرازيل بقيادة الإيطالي كارلو أنشيلوتي، وإنجلترا مع الألماني توماس توخيل.

وشملت القائمة أيضاً البرتغال بقيادة الإسباني روبرتو مارتينيز، إلى جانب منتخبات أمريكا الجنوبية التي تعتمد على مدربين أرجنتينيين مثل كولومبيا مع نيستور لورينزو، والإكوادور مع سيباستيان بيكاسيسي، وأوروغواي مع مارسيلو بيلسا.



وبعد تطبيق جميع هذه المعايير بقيت 5 منتخبات فقط داخل دائرة التاريخ، إذ تدخل فرنسا وإسبانيا البطولة وهما بين أبرز المرشحين، بينما تسعى الأرجنتين للدفاع عن لقبها، وتحضر ألمانيا بتاريخها الكبير بعدما فازت بأربعة ألقاب في عصور مختلفة.

أما هولندا، فتبدو الاستثناء الوحيد بين الخمسة كونها لم تحقق كأس العالم سابقاً، لكنها تملك تاريخاً طويلاً في البطولة بعد الوصول إلى النهائي ثلاث مرات أعوام 1974 و1978 و2010، إضافة إلى امتلاكها مجموعة قوية تجعلها بين المنتخبات المرشحة للذهاب بعيداً.



ورغم أن الأرقام تمنح التاريخ كلمته قبل بداية البطولة، فإن نسخة 2026 تأتي بشكل مختلف، مع زيادة عدد المنتخبات وتغير شكل المنافسة، ليبقى الاختبار الحقيقي بين قوة المؤشرات القديمة وقدرة منتخب جديد على تغيير المسار الذي استمر منذ انطلاق كأس العالم.