لطالما اعتُبرت أمريكا آخر الأسواق الكبرى غير المفتوحة أمام كرة القدم، لكن «بلاد العم سام» احتضنت اللعبة بصورة لافتة خلال العقود الأخيرة، وقد تسرّع كأس العالم 2026، المقررة إقامتها في يونيو ويوليو المقبلين بالشراكة مع كندا والمكسيك، هذا الازدهار المتنامي.
ويكفي زيارة «نو ستاديوم» في ميامي، الذي يعد من بين مجموعة ملاعب حديثة شُيدت في أمريكا خلال العقد الأخير، ويحتضن فريق إنتر ميامي بقيادة النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي، لإدراك حجم الحماس المتزايد تجاه كرة القدم.
كما يظهر هذا الشغف في الحانات الرياضية بمدينة لوس أنجليس أثناء متابعة مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز، حيث تمتلئ بالمشجعين الذين يتابعون المباريات بشغف واضح.
وقالت ميا هام، أسطورة منتخب أمريكا للسيدات، المتوج بكأس العالم عدة مرات في تسعينيات القرن الماضي، إنها لا تزال مندهشة من عدد الأمريكيين الذين يرتدون قمصان أنديتهم المفضلة خلال تنقلها داخل البلاد.
وأضافت: «هذا الأمر لم يكن موجودًا عندما كنت ألعب كرة القدم، فقد كان الاهتمام يقتصر على مجتمع صغير، أما الآن فيمكنك السير في أي شارع في لوس أنجليس أو أي مدينة أمريكية أخرى، وستجد الناس يعرفون اللاعبين جيدًا».
وتدعم الأرقام هذا التحول، إذ تأتي كرة القدم حاليًا في المركز الثالث ضمن الرياضات الأكثر شعبية في أمريكا، خلف كرة القدم الأمريكية وكرة السلة، وفقًا لدانيال موناغان من شركة «أمبير أناليسيس».
وتفوقت كرة القدم على البيسبول منذ عام 2021، واتسعت الفجوة العام الماضي، بعدما اختار 15% من المشاركين في الاستطلاع كرة القدم كرياضتهم المفضلة، مقابل 8% فقط للبيسبول.
ويتزامن هذا الصعود الجماهيري مع طفرة اقتصادية كبيرة، إذ يتوقع الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» تحقيق إيرادات قياسية تصل إلى 11 مليار دولار من كأس العالم 2026.
كما ارتفع الإنفاق على حقوق البث التلفزيوني لكرة القدم في أمريكا، متجاوزًا البيسبول، ليشمل بطولات الدوري الأمريكي والدوريات الأوروبية والمنتخبات الوطنية.
وشهد الدوري الأمريكي حضورًا جماهيريًا تجاوز 400 ألف متفرج في الجولة الافتتاحية للموسم الحالي، بينما بلغ إجمالي الحضور في موسم 2024 نحو 12.1 مليون مشجع، ليحتل المرتبة الثانية عالميًا خلف الدوري الإنجليزي الممتاز، بحسب بيانات «أوبتا».
كما أنفقت أندية الدوري الأمريكي 336 مليون دولار على التعاقدات خلال العام الماضي، في وقت تجاوزت فيه الاستثمارات في الملاعب ومرافق التدريب حاجز 11 مليار دولار.
وتعود جذور هذا التحول إلى كأس العالم 1994، التي استضافتها أمريكا للمرة الأولى، والتي لا تزال تحتفظ بالرقم القياسي لأعلى حضور جماهيري في تاريخ المونديال، بأكثر من 3.5 ملايين متفرج.
كما ساهم نجاح منتخب السيدات الأمريكي، بعد تتويجه بذهبية أولمبياد 1996 وكأس العالم 1999، في توسيع قاعدة الاهتمام باللعبة.
وقالت هام: «الكثير من الآباء الذين لعبوا كرة القدم في صغرهم أصبح لديهم الآن أطفال، ويمكن رؤية كيف ينقلون حب اللعبة إلى الجيل الجديد».
وأضافت: «إمكانية الوصول إلى كرة القدم اليوم أكبر بكثير مما كانت عليه في السابق».
ووصل الاهتمام الأمريكي بكأس العالم إلى مستوى غير مسبوق، بعدما تضاعفت حقوق البث المحلية للبطولة تقريبًا منذ نسخة 2022، لترتفع من نحو 450 مليون دولار إلى 870 مليون دولار، بحسب «أمبير».
وقال موناغان: «أمريكا أصبحت السوق الأعلى دفعًا لحقوق كأس العالم على مستوى العالم».