لم يكن تأهل منتخبنا الوطني الأول لكرة القدم إلى نصف نهائي كأس الخليج العربي «خليجي 27» متصدراً لمجموعته برصيد 7 نقاط مجرد عبور فني أو نجاح تكتيكي عابر على المستطيل الأخضر، إذ إن المشهد الحقيقي، الذي صاغه المنتخب في ملاعب البطولة يتجاوز لغة الأرقام، ليعلن عن ولادة مرحلة جديدة من النضج النفسي، والثبات الانفعالي، حيث نجح هذا الجيل الشاب في تفكيك الضغوط التاريخية، وترميم الهوية الكروية، التي حاصرتها خيبات النسخ السابقة، ليتحول التخوف المحيط بالشارع الرياضي قبل البطولة إلى ثقة بالهوية الجديدة للفريق.

التحرر من ضغوط الماضي
وتتجسد قيمة هذا التحول عند مقارنة الواقع الحالي للمنتخب بواقعه في النسخ الأخيرة من البطولة، إذ عانى من عبء نفسي ثقيل، وتشتت ذهني واضح تحت وطأة المقارنات المستمرة بالأجيال السابقة، ما تسبب في خروج مرير من دور المجموعات، أما في النسخة الحالية فقد دخل «الأبيض» البطولة متسلحاً بعزل تام عن المؤثرات الإعلامية الخارجية، وأظهر هدوءاً وانضباطاً تكتيكياً عاليين، ترجمهما على أرض الواقع بحصد 7 نقاط، وتسجيل 7 أهداف في أول جولتين صاعداً للمربع الذهبي بأقوى خط دفاع وهجوم، ويعكس هذا التحول عملاً ذهنياً احترافياً، صاغ شخصية الفريق داخل الملعب بشكل لافت، حيث اختفت الفردية والاتكالية لصالح منظومة جماعية متماسكة، وظل الفريق محتفظاً بهدوء الرتم والتحكم في الاتزان النفسي دون الانزلاق إلى التوتر.

فلسفة زلاتكو في حماية اللاعبين
هذا النجاح النفسي لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاج فلسفة إدارية وفنية واضحة، انتهجها المدير الفني الكرواتي، زلاتكو داليتش، ففي منعطف يثبت كيفية إدارة الضغوط خرج زلاتكو بتصريح رسمي لوسائل الإعلام، أكد فيه أنهم لن يضعوا أي ضغوطات على اللاعبين، مشيراً إلى أن هدفهم الاستمتاع بكرة القدم مع احترام كامل لكل المنافسين في البطولة، ولم يكن هذا التصريح مجرد كلمات عابرة، بل كانت بمثابة مظلة أمان حمت اللاعبين من ثقل التوقعات، وسمحت للمنتخب بالتعامل بعقلية الخطوة تلو الأخرى، والوصول إلى حالة الترابط والانسجام العائلي السريع، ليتخلص اللاعبون من عقدة البدايات، ويصنعوا لأنفسهم شخصية مستقلة تماماً، تكتب تاريخها الخاص بالروح القتالية، وهدوء الكبار.

صناعة عقلية الانتصارات
إن المكسب الحقيقي الذي جناه الأبيض الإماراتي من ملاعب «خليجي 27» حتى الآن يتجاوز حدود خطوة التأهل إلى المربع الذهبي، إذ كسبت الكرة الإماراتية شخصية البطل والترميم الذهني الشامل للاعبين، وبغض النظر عن حسابات الأمتار الأخيرة من البطولة فإن هذا العبور الصامت والواثق يبرهن على أن الانتصار الأكبر للأبيض كان انتصاراً على الذات، وعلى الضغوط الإقليمية، ما يمهد الطريق لرفع سقف الطموحات، وبناء جيل جديد، يمتلك عقلية الانتصارات، وقادر على مجابهة التحديات الكبرى المقبلة.