إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا أحمد لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الله، «إنا لله وإنا إليه راجعون».
رغم إيماننا بالقضاء والقدر، وأن الموت حق على كل حي، إلا أن الفراق صعب، ويكون أصعب عندما يكون الرحيل لفارس.
أحمد بن راشد.. رحيل الأب الروحي
رحل الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، رحمه الله رحمة واسعة، ورحلت معه صفحة عزيزة من صفحات الزمن الجميل، ورمز من رموز الرياضة الإماراتية الذين لم يبحثوا يوماً عن الأضواء، لأن أعمالهم وإنجازاتهم هي التي كانت تتحدث عنهم.
عرفناه رجلاً يعمل كثيراً ولا يتحدث، يعطي المجال لمن يريد أن يعمل ويخدم وطنه، ويدعم الشباب والرياضيين بصمت. واليوم، ونحن نودعه، تعود بنا الذاكرة إلى رحلة طويلة امتدت لعقود، كان فيها حاضراً في محطات مهمة من تاريخ رياضة الإمارات، من كرة القدم إلى الفروسية والرياضات البحرية، تاركاً وراءه إرثاً سيظل شاهداً على ما قدمه.
ارتبط اسم المغفور له بالوصل ارتباطاً لا يمكن فصله عن تاريخ النادي نفسه. بدأت الحكاية في زعبيل عام 1960، في غرفة صغيرة بمنزل بخيت سالم، عندما اجتمع عدد من الشباب وأسّسوا فريقاً أطلقوا عليه اسم «الزمالك». كانت الإمكانات بسيطة، وكان الأعضاء يشترون الكرات والملابس من أموالهم، ويدفع كل منهم عشرة دراهم للمساهمة في ميزانية الفريق.
من تلك الغرفة الصغيرة بدأت قصة كبيرة.
انتقل الفريق بعد ذلك إلى منزل صغير تملكه الشيخة مدية بنت سلطان، وكبر الحلم، وانضم إليه عدد من أبناء المنطقة، حتى ارتبط به الشيخ أحمد بن راشد لاعباً ثم قائداً وداعماً ورئيساً وأباً روحياً. وبعد الدمج بين الزمالك والعروبة، اختير اسم «الوصل»، اسم دبي القديم، ليصبح النادي الذي عرفناه لاحقاً قلعة للفهود ثم «الإمبراطور».
ومنذ ذلك اليوم أصبح أحمد بن راشد والوصل قصة واحدة.
كان يتابع كل صغيرة وكبيرة في النادي، ويحرص على استقراره الإداري والفني، مؤمناً بأن الاستقرار هو الطريق إلى البطولات. وفي منتصف السبعينيات، عندما بدأت مرحلة جديدة من التنظيم، ظل على رأس النادي، وحوله رجال من أبناء الوصل عملوا بهدوء بعيداً عن الأضواء، فتحولت زعبيل مع مرور السنوات إلى واحدة من أهم قلاع الرياضة الإماراتية.
وفي عهده جاءت سنوات الثمانينيات الجميلة، وعزف الوصل أجمل ألحانه، وارتبط اسمه بالمدرسة البرازيلية التي صنعت جانباً مهماً من شخصية الفريق. توالت البطولات، وأصبح الأصفر رقماً صعباً في كرة الإمارات، وظلت علاقة رئيسه به علاقة حب استثنائية لا تتغير مع فوز أو خسارة.
ولم يكن دعمه مقتصراً على كرة القدم. كان ينظر إلى النادي كأسرة رياضية واحدة، فشمل اهتمامه كرة السلة وألعاب القوى وبقية الألعاب، وكان تكريمه للفرق واللاعبين المجتهدين رسالة واضحة بأن من يعطي ويجتهد يستحق التقدير.
حتى عندما مرت بالوصل أوقات صعبة، كان أحمد بن راشد يتدخل في اللحظة المناسبة، بهدوئه وحكمته المعهودة، ليعيد الاستقرار ويضع الأمور في نصابها. كان هدفه دائماً أن يبقى الوصل قوياً ومتحداً، وأن تظل الأسرة الوصلاوية أسرة واحدة.
لكن الحديث عن أحمد بن راشد لا يمكن أن يتوقف عند حدود زعبيل.
ففي بداية السبعينيات، وعندما كانت كرة الإمارات ما زالت تخطو خطواتها الأولى، دعم تشكيل منتخب دبي الذي ضم نخبة من لاعبي فرق ديرة وبر دبي لخوض إحدى التجارب الخارجية المبكرة أمام الفرق الإيرانية. كان ذلك في زمن لم تكن فيه الرياضة تملك الإمكانات التي نراها اليوم، وكان الدعم الشخصي من رجالات الدولة عاملاً أساسياً في فتح الأبواب أمام الرياضيين الإماراتيين واكتسابهم الخبرة خارجياً.
وامتدت رؤيته إلى البحر.
كان من الرجال الذين أدركوا مبكراً أن الرياضات البحرية ليست مجرد منافسات، وإنما جزء من تراث أهل الإمارات وهويتهم وعلاقتهم التاريخية بالبحر. فكان وراء تأسيس وانطلاقة الرياضات البحرية المنظمة، وإشهار اثنين من أوائل الأندية البحرية في دبي، نادي زوارق الشاطئ ونادي دبي الدولي للرياضات البحرية.
وبهذه الرؤية تحولت رياضات البحر من ممارسة مرتبطة بالتراث إلى نشاط رياضي منظم وصل باسم الإمارات إلى العالمية. وما تحقق لاحقاً من نجاحات إماراتية في الرياضات البحرية لم يولد من فراغ، وإنما كان امتداداً لبدايات صنعها رجال آمنوا بالفكرة ودعموها، وفي مقدمتهم الشيخ أحمد بن راشد.
ثم جاءت الفروسية، العشق الآخر.
كان من كبار ملاك الخيل، وشاركت خيوله في السباقات داخل الدولة وفي إنجلترا وأوروبا، وأسهم بدور كبير في القفزة التي حققتها رياضة الخيل الإماراتية محلياً وعالمياً.
ويبقى مضمار جبل علي واحداً من الشواهد الباقية على رؤيته.
أراده مضماراً مختلفاً، لا يقتصر على الملاك والمدربين والفرسان، وإنما يكون مكاناً تلتقي فيه الأسرة والجمهور ومحبو الخيل. ولهذا أصبح «المضمار الأصفر» واحداً من أكثر المضامير قرباً من الناس، وتحولت سباقاته إلى مناسبات عائلية تستقطب الآلاف، مع اهتمام دائم بالجمهور والأسر والأطفال.
كان يؤمن بأن الرياضة لا تعيش من دون جمهور، وأن نجاحها الحقيقي عندما تصبح جزءاً من حياة المجتمع.
تلك كانت فلسفته في الوصل، وفي البحر، وفي الفروسية.
وعندما نستعيد اليوم مسيرته، ندرك أننا لا نتحدث عن رئيس نادٍ فقط، ولا عن مالك خيل، ولا عن مسؤول رياضي، بل عن واحد من رجال مرحلة التأسيس الذين أسهموا في بناء الحركة الرياضية الإماراتية في زمن كانت فيه البدايات بسيطة والأحلام كبيرة.
جيل عمل قبل أن توجد الملاعب الحديثة، وقبل الاحتراف والفضائيات والعقود الضخمة. جيل كان يبني لأن الوطن يحتاج إلى من يبني.
وقد كتبت عنه قبل سنوات أنه من الرجال الذين «يعملون كثيراً ولا يتحدثون»، وربما تختصر هذه العبارة جانباً كبيراً من شخصيته.
لم يكن يبحث عن حضوره في الصورة، بل كان يبحث عن النتيجة.
من غرفة صغيرة في زعبيل خرج الوصل إلى البطولات، ومن البحر انطلقت رياضة حملت اسم الإمارات إلى العالم، ومن جبل علي أصبح المضمار الأصفر بيتاً لمحبي الخيل، وبين كل هذه المحطات كان أحمد بن راشد حاضراً، داعماً وموجهاً، بهدوئه الذي عرفه به الجميع.
واليوم، بعد أكثر من ستة عقود من تلك البدايات، يغيب الرجل وتبقى آثاره.
ستظل زعبيل تروي حكايته، وسيظل الوصل يحمل جزءاً من سيرته، وسيظل المضمار الأصفر شاهداً على عشقه للخيل، وستبقى الرياضات البحرية تذكر واحداً من الرجال الذين وقفوا وراء انطلاقتها.
إن الرجال يرحلون، ولكن ما صنعوه لا يرحل.
رحم الله الشيخ أحمد بن راشد آل مكتوم، الأب الروحي للوصل، وأحد رجالات الزمن الجميل، وأحد الذين أعطوا الرياضة الإماراتية من دون انتظار مقابل.
تعازينا إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وإلى أسرة آل مكتوم الكرام، وإلى الأسرة الوصلاوية، وإلى أسرة الرياضة الإماراتية.
رحم الله أحمد بن راشد، وأسكنه فسيح جناته.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.