فنيون: «الأجنبي» يهدئ الأجواء.. ويهدد مستقبل «قضاة الملاعب» المواطنين
مع اقتراب إسدال الستار على موسم 2025-2026، يطفو على السطح ملف التحكيم الأجنبي في مسابقات الفرق الأولى بمشاركة أندية المحترفين، كأحد أكثر القضايا إثارة للجدل، في ظل أرقام لافتة تكشف حجم الظاهرة، وتكشف عن الاستعانة بـ 41 حكماً من 28 دولة لإدارة مباريات هذا الموسم، بطلبات مباشرة من الأندية، التي لم تتردد في دفع نحو 170 ألف درهم للمباراة الواحدة، بحثاً عن عدالة تحكيمية، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه.. هل تحققت تلك العدالة بالفعل، أم أن الواقع بات أكثر تعقيداً؟.
واللجوء إلى الحكم الأجنبي لم يكن قراراً عابراً، بل نتيجة تراكمات من أزمات تحكيمية محلية في مواسم سابقة، إضافة إلى بداية متوترة للموسم الحالي، وهذا الواقع دفع الأندية إلى البحث عن صافرة محايدة، حتى وإن كان الثمن المالي مرتفعاً، واختيار الحكام الأجانب غالباً ما يتم من أسماء تحظى بسمعة دولية، ما يمنح إدارات الأندية شعوراً بالثقة، ويخفف من حدة الضغط الجماهيري، خصوصاً في المباريات الحساسة التي شهد بعضها حضوراً دائماً للحكم الأجنبي، كما حدث في مباريات فريق العين.
الأخطاء لا تختفي
تحدث الحكم الدولي السابق، يعقوب الحمادي، عن التحكيم الأجنبي هذا الموسم، مؤكداً أن الأخطاء التحكيمية تظل جزءاً طبيعياً من اللعبة، سواء من الحكام المواطنين أو الأجانب، مستشهداً باحتجاجات بعض الأندية، مثل الجزيرة، على قرارات حكام أجانب، ما يؤكد أن العدالة التحكيمية ليست مرتبطة بجنسية الحكم، بقدر ما هي مرتبطة بطبيعة العنصر البشري القابل للخطأ.
وأشار إلى أن الحكام الأجانب قد يتعرضون لضغوط أقل مقارنة بنظرائهم المحليين، خاصة في المباريات الحاسمة المرتبطة باللقب أو الهبوط، إلا أن ذلك لا يعني تحقيق العدالة بشكل كامل، مؤكداً أن الأخطاء ستظل واردة في جميع الأحوال.
وحذر من أن زيادة الاعتماد على الحكام الأجانب قد تؤثر سلباً في تطور الحكم المواطن، من خلال تقليل فرص إدارته للمباريات الكبرى، ما قد يؤدي إلى فقدانه حساسية المواجهات القوية.
وشدد على أن تطوير التحكيم المحلي يتطلب عملاً مشتركاً بين لجنة الحكام والحكام أنفسهم، حيث تتحمل اللجنة مسؤولية توفير البيئة المناسبة من معسكرات وبرامج إعداد، بينما يقع على الحكم دور كبير في تطوير مستواه، من خلال متابعة المباريات، وتحليل أدائه بعد كل لقاء، والاطلاع المستمر على تحديثات قوانين اللعبة، والاستعداد للحالات النادرة داخل الملعب.
واختتم بالتأكيد على أن الجاهزية القانونية والذهنية للحكم عنصر حاسم لتجنب الأخطاء الفنية، منوهاً بأن هناك بعض القرارات الخاطئة التي كان يمكن تفاديها بفهم أدق للوائح والقوانين.
استبعاد حكام
رأى فارس جمعان لاعب الجزيرة السابق، أن الجدل حول جدوى الاستعانة بالحكام الأجانب لا يمكن فصله عن طبيعة كرة القدم نفسها، باعتبارها لعبة مليئة بالأخطاء، مشدداً على أن الأخطاء التحكيمية ستظل موجودة، سواء أدار المباريات حكام محليون أو أجانب، وحتى مع وجود تقنية الفيديو.
وأوضح أن الحكام الأجانب بدورهم لم يكونوا بمنأى عن الأخطاء خلال الموسم، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى تحقيقهم للعدالة الكاملة التي تسعى إليها الأندية من خلال طلبهم، معتبراً أن الفارق بين الحكم الأجنبي والمواطن لم يكن كبيراً، كما يروج له البعض.
وأشار إلى أن الاعتماد المتزايد على الحكام الأجانب، خاصة في ظل طلب بعض الأندية الاستعانة بهم بشكل دائم، أدى إلى تراجع حضور الحكم المواطن بشكل ملحوظ، ما انعكس سلباً على فرص ظهوره وإدارته للمباريات الكبرى.
وأضاف أن الحكم المواطن بحاجة إلى الثقة، وإتاحة الفرصة لإدارة المواجهات القوية، مؤكداً أن إبعاده عن هذه المباريات يفقده حساسية اللقاءات الكبيرة، ويؤثر في تطوره الفني.
وحذر من أن استمرار هذا النهج قد يمثل خطراً على مستقبل التحكيم المحلي على المدى البعيد، داعياً إلى تحقيق توازن في توزيع المباريات بين الحكام الأجانب والمواطنين، بما يضمن تطوير الكوادر المحلية دون الإخلال بمبدأ العدالة التحكيمية.
وكشف في الختام أن هناك أندية طالبت باستبعاد حكام بعينهم من إدارة مبارياتهم هذا الموسم، واختتم بالتأكيد على أن الحل لا يكمن في الاستغناء الكامل عن أحد الطرفين، بل في إدارة الملف بشكل متوازن، يمنح الحكم المواطن الثقة والخبرة، مع الاستفادة من وجود الحكام الأجانب في حدود مدروسة.
التكامل هو الحل
اعتبر المحلل الرياضي أحمد العوضي، أن الأخطاء التحكيمية تظل سمة ملازمة لكرة القدم، سواء من الحكام الأجانب أو المواطنين، وحتى مع وجود تقنية الفيديو، مشيراً إلى أن الفارق الحقيقي لا يكمن في جنسية الحكم، بقدر ما يرتبط بجودة الأداء والقرارات داخل الملعب.
وأوضح أن توجه بعض الأندية لطلب حكام أجانب، يعود في الأساس إلى قناعات إدارية، ورغبة في تقليل الضغوط، أو تجنب الحرج المرتبط بالحكم المحلي، معتبراً أن هذا الخيار قد يكون مبرراً في بعض الحالات، لكنه لا يضمن غياب الأخطاء.
وأضاف أن المزج بين الحكام المواطنين والأجانب، يمثل نموذجاً إيجابياً، لما يوفره من تبادل للخبرات، واكتساب المعارف، خاصة في ظل امتلاك التحكيم المحلي كوادر مميزة، شاركت في بطولات كبرى، بما يؤكد قدرته على المنافسة بالمستوى ذاته.
وأشار إلى أن الاستعانة بالحكام الأجانب قد تستمر في الموسم المقبل، وفقاً لرغبة الأندية، لكنها ستظل مرتبطة بقناعات كل إدارة، وليس توجهاً عاماً بالضرورة، وشدد على أهمية التدقيق في اختيار الحكام الأجانب، بحيث يتم استقطاب أسماء ذات خبرة وسجل قوي، لضمان تحقيق الإضافة المرجوة، لافتاً إلى أن الحكم المواطن لا يقل مستوى في كثير من الأحيان، بل يوازي نظيره الأجنبي من حيث الكفاءة.
وأنهى حديثه بالتأكيد على أن زيادة عدد الحكام الأجانب لا تمثل خطراً حقيقياً على مستقبل الحكم المحلي، في ظل استمرار برامج التطوير والدعم، معتبراً أن التكامل بين الطرفين هو الخيار الأمثل لتطوير المنظومة التحكيمية.
ومع بقاء لقبين محليين فقط في ملاعب المنافسة، يبدو أن التحكيم الأجنبي أسهم في تهدئة الأجواء، وتقليل حدة الاعتراضات، لكنه لم يحقق العدالة المطلقة التي سعت إليها الأندية، وفي المقابل، يلوح خطر تراجع الحكم المواطن إذا استمر الاعتماد المفرط على الخارج.
وبين كلفة مالية مرتفعة، وعدالة نسبية، ومستقبل تحكيمي يحتاج إلى حماية، يبقى الحل الأقرب هو تحقيق توازن مدروس، يمنح الحكم المواطن الثقة والفرصة، ويستفيد في الوقت ذاته من خبرات الحكم الأجنبي، دون أن يتحول إلى بديل دائم.