بين دموع الأرجنتيني ليونيل ميسي أمام أكثر من 85 ألف مشجع، احتشدوا في ملعب مونومنتال، بالعاصمة بوينس آيرس، والرحيل المفاجئ لغريمه التاريخي البرتغالي كريستيانو رونالدو عن معسكر منتخب بلاده وسط خلاف مع المدرب جورجي جيسوس، رسمت الأيام الأخيرة مشهدين متناقضين لنجمين تقاسما عرش كرة القدم العالمية على مدار نحو عقدين، لكنهما افترقا، هذه المرة، في الطريقة التي اختار بها كل منهما التعامل مع الفصل الأخير من مسيرته الدولية.



في الوقت الذي أسدل فيه ميسي «39 عاماً» الستار على رحلته مع الأرجنتين باحتفالية استثنائية، توّجها بهدف في الفوز على بنين 3-0، الثلاثاء، تحولت الأيام الأخيرة لرونالدو «41 عاماً» مع البرتغال إلى أزمة مفتوحة، بعدما غادر المعسكر في كوبنهاغن في 30 سبتمبر، معلناً أنه سيكشف لاحقاً حقيقة الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ قراره، في خطوة ألقت بظلال من الغموض على مستقبله الدولي.



ولعل المفارقة الأبرز أن ميسي، الذي اختار توقيت اعتزاله الدولي، وأتاح لبلاده فرصة الاحتفاء به، بدا وكأنه انتزع الانتصار الأخير في منافسته الطويلة مع رونالدو، ليس بهدف أو لقب جديد، بل بطريقة الخروج من المسرح الذي صنع عليه مجده، فيما يواجه النجم البرتغالي احتمال نهاية لا تشبه تاريخه الحافل بالإنجازات.



من الكلاسيكو إلى سباق المجد


على مدار سنوات طويلة شكّل ميسي ورونالدو قطبي كرة القدم العالمية، في منافسة تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، وتحولت إلى واحدة من أكثر الثنائيات إثارة للجدل في تاريخ اللعبة.



وبلغ الصراع ذروته عندما كان ميسي يقود برشلونة، فيما ارتدى رونالدو قميص غريمه ريال مدريد، فتحولت مواجهات الكلاسيكو إلى مسرح مفتوح، لمنافسة استثنائية على الأهداف والألقاب والجوائز الفردية، ولا سيما الكرة الذهبية، التي تقاسم النجمان الهيمنة عليها لسنوات طويلة.



ولم تتوقف المنافسة برحيل رونالدو عن ريال مدريد إلى يوفنتوس الإيطالي عام 2018، ثم انتقاله إلى مانشستر يونايتد الإنجليزي والنصر السعودي، كما استمرت بعد مغادرة ميسي برشلونة إلى باريس سان جرمان الفرنسي، قبل أن يستقر في إنتر ميامي الأمريكي.



اختيار لحظة الوداع


وحتى بعدما ابتعد النجمان عن الملاعب الأوروبية بقي السؤال الذي رافق مسيرتيهما حاضراً: من الأفضل؟ ومن سيترك الإرث الأكبر في تاريخ كرة القدم؟

لكن الأيام الأخيرة أضافت سؤالاً جديداً إلى تلك المنافسة التاريخية: من عرف كيف يختار اللحظة المناسبة للوداع؟



ميسي.. الرقصة الأخيرة أمام 85 ألف مشجع

لم يكن ملعب مونومنتال، أول من أمس «الثلاثاء» يستضيف مجرد مباراة ودية بين الأرجنتين وبنين، بل كان مسرحاً لوداع أحد أعظم اللاعبين الذين ارتدوا قميص المنتخب الأرجنتيني.



وصل ميسي إلى الملعب وسط حشود من الجماهير التي اصطفت لتحيته، ولم يتمالك دموعه قبل أن تطأ قدماه أرضية الملعب، حيث انتظره أكثر من 85 ألف مشجع في ليلة حملت عنوان «التانغو الأخير».



ورُفع قميص عملاق للمنتخب الأرجنتيني يحمل الرقم 10 وكلمة «شكراً»، فيما رافق ميسي أبناؤه الثلاثة إلى أرض الملعب، وسط أجواء عاطفية، أعادت إلى الأذهان محطات مسيرة امتدت 21 عاماً.



ولم يكتفِ قائد الأرجنتين بالاحتفال، بل وضع بصمته الأخيرة داخل المستطيل الأخضر، بتسجيل هدف وصناعة هدفين في الفوز على بنين 3-0، رافعاً رصيده إلى 126 هدفاً في 208 مباريات دولية.



وبين الألعاب النارية والهتافات والدموع ودّعت الأرجنتين قائدها، الذي قادها إلى لقب كأس العالم 2022 وكوبا أمريكا عامي 2021 و2024، بعدما نجح في تحويل علاقته المعقدة سابقاً مع جماهير بلاده إلى قصة حب استثنائية.

لقد عرف ميسي متى ينسحب، وكيف يحوّل لحظة النهاية إلى احتفال جماعي، يليق بتاريخ لاعب أعاد الأرجنتين إلى قمة العالم بعد انتظار طويل.



رونالدو.. من المجد إلى الرحيل الغامض


على الطرف الآخر كان المشهد مختلفاً تماماً، بدلاً من الاحتفال والتصفيق، وجد رونالدو نفسه في قلب أزمة مع مدرب البرتغال جورجي جيسوس، بعدما أثار استبعاده من التشكيلة الأساسية، وغيابه عن التدريبات تساؤلات حول علاقته بالجهاز الفني ومستقبله مع المنتخب.



وبلغ التوتر ذروته في 30 سبتمبر، عندما أعلن قائد البرتغال مغادرة المعسكر في كوبنهاغن، عقب المؤتمر الصحفي للمدرب ومحادثة مع رئيس الاتحاد البرتغالي لكرة القدم بيدرو بروينسا.



وقال رونالدو في بيان نشره عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي: «بعد المؤتمر الصحفي لمدرب المنتخب الوطني، وعقب محادثة مع رئيس الاتحاد البرتغالي لكرة القدم، اتخذت قرار مغادرة معسكر المنتخب».



وأضاف في رسالة حملت نبرة استياء واضحة: «في الوقت المناسب سأكشف لجميع البرتغاليين الحقيقة بشأن الأسباب التي دفعتني إلى مغادرة المنتخب، الذي كرست نفسي دائماً لخدمته».



وختم رسالته بتمني التوفيق للبرتغال ولجميع زملائه «من دون استثناء»، في عبارة فتحت الباب أمام مزيد من التأويلات بشأن طبيعة الخلاف.



ورغم أن جيسوس حاول التقليل من حدة الأزمة، وأكد عدم وقوع مواجهة مباشرة مع اللاعب، فإن الرحيل المفاجئ لرونالدو أعاد طرح السؤال الذي ظل يلاحقه في السنوات الأخيرة: هل تأخر في اتخاذ قرار الاعتزال الدولي؟



وبخلاف ميسي، لم يعلن رونالدو اعتزاله اللعب مع منتخب بلاده بصورة رسمية، لكن مغادرته المعسكر بهذه الطريقة جعلت مستقبله محاطاً بالشكوك، ووضعت احتمال نهاية دراماتيكية لمسيرته الدولية أمام واقع لم يكن يتخيله كثيرون.



هل دفع رونالدو ثمن تأخير الوداع؟

ربما تكمن المفارقة الأكثر قسوة بالنسبة إلى رونالدو في أن إصراره على الاستمرار، الذي شكّل أحد أسرار نجاحه طوال مسيرته، قد يتحول إلى سبب يحرم نهايته الدولية من الاحتفالية التي يستحقها، فاللاعب الذي قاد البرتغال إلى لقب كأس أوروبا 2016، ودوري الأمم الأوروبية عامي 2019 و2025، وصنع تاريخاً استثنائياً بوصفه الهداف التاريخي للمنتخب البرتغالي، يجد نفسه اليوم أمام تحدٍ لا يتعلق بقدرته على تسجيل الأهداف، بل بقبول التحول من نجم لا يُمس إلى لاعب يخضع لاختيارات المدرب، ومقتضيات المرحلة الجديدة.



وليس من السهل على لاعب اعتاد أن يكون محور المشروع الرياضي لمنتخب بلاده طوال عقدين أن يتقبل الجلوس على مقاعد البدلاء، لكن كرة القدم لا تمنح حتى أعظم نجومها حصانة دائمة من سلطة الزمن، أما ميسي فقد اختار أن يضع نقطة النهاية بنفسه، قبل أن تفرضها عليه الظروف أو القرارات الفنية، ليغادر محاطاً بعائلته وزملائه والجماهير التي احتفلت به بوصفه أحد أعظم رموز الرياضة الأرجنتينية، وبذلك تبدو المقارنة بين النجمين أبعد من مجرد اختلاف في مراسم الوداع، إذ تعكس فلسفتين مختلفتين في التعامل مع نهاية المسيرة: الأولى تقوم على اختيار لحظة الرحيل، والثانية على مقاومة النهاية إلى أبعد حد ممكن.

انتصار أخير خارج الملعب



قد يظل الجدل حول الأفضل بين ميسي ورونالدو مفتوحاً لعقود، مهما اختلفت الأرقام والألقاب والإنجازات، لكن المقارنة في مشهد الوداع تميل بوضوح إلى النجم الأرجنتيني، فميسي غادر المنتخب الذي قاده إلى المجد وسط دموع المحبة والتصفيق، بينما يواجه رونالدو خطر أن تُكتب نهاية مسيرته الدولية على وقع الخلافات والتصريحات الغاضبة، بدلاً من احتفالية تليق بما قدمه لبلاده، ولا يعني ذلك أن الأزمة الحالية تمثل بالضرورة الفصل الأخير لرونالدو مع البرتغال، إذ لا يزال الباب مفتوحاً أمام المصالحة أو العودة، لكن المؤكد أن طريقة مغادرته المعسكر أحدثت شرخاً في الصورة التي كان يتمنى أن يختتم بها رحلته الدولية.



وبعد سنوات من التنافس على الكرة الذهبية والأهداف والألقاب، ربما يكون ميسي قد حسم الجولة الأخيرة خارج الملعب، حين أدرك أن عظمة اللاعب لا تُقاس فقط بما يحققه خلال مسيرته، بل أيضاً بالطريقة التي يعرف بها متى يودّع، فبينما قال جمهور الأرجنتين لميسي «شكراً» في ليلة لا تُنسى، لا يزال جمهور البرتغال ينتظر أن يعرف ما إذا كان رونالدو سيعود لكتابة خاتمة مختلفة، أم أن آخر فصول حكايته مع المنتخب قد كُتب بالفعل، ولكن من دون التصفيق الذي يستحقه.