لم تعد البرامج الرياضية وحدها تتحكم في إيقاع الخبر أو تقديم قراءة تحليلية لمباراة أو حدث رياضي، وفي ظل منصات التواصل الاجتماعي، أصبح الهاتف شاشةً رياضية متكاملة، يصل عبرها الخبر والتحليل واللقطة والتعليق في لحظة، وبينما تتمسك القنوات الرياضية بدورها في صناعة المحتوى المتخصص، تفرض المنصات الرقمية إيقاعاً أسرع وأكثر تفاعلاً، وتمنح المشجع دوراً جديداً، باعتباره متابعاً وصانع محتوى ومحللاً في الوقت نفسه، والسؤال الآن، هل أصبحت «السوشيال ميديا» أقوى تأثيراً من البرامج الرياضية؟

وهل سحبت فعلاً البساط من الاستوديوهات التقليدية، أم أنها تحولت إلى شريك جديد للقنوات في الوصول إلى الجمهور؟

لسنوات طويلة، كان البرنامج الرياضي يمثل المحطة الرئيسة للجمهور الراغب في معرفة تفاصيل المباريات والأحداث الرياضية، فينتظر المشاهد صافرة النهاية، ثم يتجه إلى البرامج، خاصة المسائية، لمشاهدة خبراء ولاعبين سابقين ومحللين يناقشون التفاصيل، ويعيدون قراءة المباراة من زوايا مختلفة، إلا أن المعادلة تغيرت بصورة واضحة مع منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تسيطر على المشهد.

ويرى خبراء ومحللون وإعلاميون أن «السوشيال ميديا» أصبحت منافساً حقيقياً للبرامج الرياضية، يرى آخرون أنها أداة جديدة، يمكن للقنوات استثمارها لتوسيع جمهورها وتسويق محتواها.

استثمار وتسويق

وأكد عبدالرحمن أمين مدير إدارة القنوات الرياضية في مؤسسة دبي للإعلام، أن تأثير منصات التواصل الاجتماعي في البرامج الرياضية يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة القناة على تسويق مضمونها.

مشيراً إلى أن وسيلة التواصل الأساسية مع الجمهور، لم تعد التلفزيون وحده، بل أصبح الهاتف والمنصات الرقمية جزءاً رئيساً من عملية المتابعة.

وقال عبدالرحمن أمين: ما يحدث داخل البرنامج التلفزيوني، يمكن أن يصل إلى الجمهور عبر المنصات الرقمية في الوقت نفسه، سواء من خلال مقاطع قصيرة، أو مقتطفات من الحوار، أو تصريحات الضيوف، أو لحظات النقاش الأكثر أهمية.

وأضاف أن القنوات الرياضية باتت توظف المنصات الرقمية لتسويق برامجها، والوصول إلى شرائح جديدة من الجمهور، مشيراً إلى أنه من الصعب على المشاهد متابعة جميع البرامج، خصوصاً التي تبث في التوقيت نفسه، على غرار البرامج التي تغطي بطولة كأس الخليج العربي المقامة حالياً في جدة، على سبيل المثال.

وشدد عبدالرحمن أمين، على أن انخفاض المشاهدة التلفزيونية لا يمكن افتراضه لمجرد ارتفاع حضور السوشيال ميديا، وضرورة النظر إلى كيفية استثمار المنصات الرقمية في خدمة القناة، وأنه بدلاً من اعتبارها خصماً، يمكن للقناة أن تحولها إلى وسيلة لإعادة تقديم محتواها لجمهور مختلف، وتختصر من خلالها المسافة بين البرنامج والمشاهد.

علاقة تكامل

ويرفض أحمد سلطان المذيع في قناة الشارقة الرياضية، فكرة أن منصات التواصل الاجتماعي نجحت في سحب البساط من البرامج الرياضية في الإعلام التقليدي، ويرى أن العلاقة بين الطرفين أقرب إلى التكامل منها إلى المنافسة.

وأكد أحمد سلطان أن منصات التواصل والقنوات التلفزيونية والإذاعية تكمل بعضها البعض في توصيل رسالتها، مشيراً إلى أن وسائل التواصل أصبحت بالفعل جانباً مهماً في عصر التطور وسرعة الوصول إلى المعلومة، لكن ذلك لا يعني انتهاء دور الإعلام الرياضي التقليدي أو تراجع قيمته.

وأوضح أن البرامج التلفزيونية والإذاعية الرياضية لا تزال تمتلك حضوراً ومضموناً لهما أهمية، مشدداً على أن التحدي الحقيقي أمام الإعلاميين، يتمثل في القدرة على مواكبة التطور، ومعرفة الطريقة المناسبة لتقديم المحتوى للجمهور.

ونوه بأن جزءاً من المحتوى الذي تقدمه البرامج الرياضية على شاشات التلفزيون والإذاعة، يتم نقله في الوقت نفسه إلى منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يمنح البرنامج مساحة أكبر للوصول إلى الجمهور، وخصوصاً فئة الشباب.

لافتاً إلى أن وظيفة المنصة الرقمية تتغير من مجرد منافس، إلى امتداد لما تقدمه القناة، فالبرنامج الذي ينتهي على الشاشة، يمكن أن يبدأ من جديد على الهاتف من خلال مقطع قصير، أو تصريح، أو لقطة تحليلية، أو سؤال من أحد الضيوف، وبالتالي، يصبح المحتوى قابلاً للتوزيع على أكثر من منصة، بدلاً من بقائه مرتبطاً بوقت بث محدد.

وشدد أحمد سلطان على أهمية مواكبة أفكار الشباب واهتماماتهم، وتقديم المحتوى بطريقة تتناسب مع طبيعة كل منصة، موضحاً أن لكل وسيلة جمهورها وطريقتها الخاصة.

المصدر الأول

واعتبر خالد العوضي المؤثر والمحلل الرياضي، أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت المصدر الأول للخبر في كثير من الحالات، بينما تحولت القنوات التقليدية في أحيان أخرى إلى مصدر للتأكيد أو المتابعة. وأشار العوضي إلى أن سرعة انتشار المعلومة غيرت سلوك المشاهد بصورة كبيرة، ففي السابق، كان الجمهور يحتاج إلى متابعة الحدث كاملاً، ثم انتظار البرنامج الرياضي لسماع التحليل وفهم التفاصيل، أما اليوم، فأصبح بالإمكان الحصول على المعلومة وتحليلها خلال ثوانٍ.

وأوضح العوضي أن مقطعاً قصيراً قد ينجح في الوصول إلى الجمهور أسرع من استوديو تحليلي جرى الإعداد له قبل أيام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بلقطة مثيرة، أو قرار تحكيمي، أو تصريح مهم، لافتاً إلى أن المنافسة لا تتوقف عند سرعة نشر الخبر، وإنما تمتد إلى قرب صانع المحتوى من الحدث.

وقال العوضي: الجمهور أصبح أكثر ميلاً إلى الشخص الأقرب إلى الحدث، وليس بالضرورة إلى الجهة الإعلامية الأكثر تقليدية، لكن في الوقت نفسه، لا يلغي هذا أهمية البرامج الرياضية، حيث لا تزال ترتبط بالمصداقية بدرجة كبيرة، وبالمؤسسات الإعلامية التي تمتلك قواعد مهنية، وآليات للتحقق من الأخبار.

الحقوق الحصرية

من جانبه، أكد عبدالله حسن، المحاضر بالاتحادين الدولي والآسيوي، أن التحول الذي أحدثته منصات التواصل الاجتماعي، أصبح أمراً لا يمكن تجاهله، وأن الإعلام الرياضي الذي لا يواكب التطورات الجديدة، قد يجد نفسه خارج المنافسة.

وأشار إلى أن المشهد الإعلامي الحالي، بات يجمع بين احترافية المؤسسات التلفزيونية، ووجود عدد كبير من صناع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، موضحاً أن الجمهور يتجه إلى المحتوى الذي يجذبه، ويقدم له قيمة، بغض النظر عن الوسيلة التي جاء منها.

وقال عبد الله حسن، إن السوشيال ميديا من وجهة نظره تقدم في كثير من الأحيان لقطات سريعة، وتركز على العناصر الأكثر إثارة، بينما تظل البرامج الرياضية قادرة على تقديم تحليل أعمق، واستضافة نجوم اللعبة والخبراء.

وأضاف أن هناك نقطة مهمة تتعلق بحقوق البث، التي لا تزال تمنح القنوات الرياضية التقليدية قوة كبيرة، إذ إن امتلاك الحقوق الحصرية لبعض البطولات والأحداث، يمنح القنوات مادة أصلية، لا تستطيع منصات التواصل إنتاجها من تلقاء نفسها.

وأوضح أن المشكلة تكمن في تشابه بعض البرامج التحليلية، وتكرار المحتوى والأسئلة والآراء، إضافة إلى تحول بعض البرامج إلى مساحة للجدل والخلاف، أكثر من كونها مساحة للتحليل الرياضي.

ولفت عبدالله حسن، إلى أن الأجيال الجديدة لا تتعامل مع الرياضة بالطريقة نفسها التي كانت عليها الأجيال السابقة، فالمشاهد الشاب قد يعرف لاعباً أو مؤثراً رياضياً عبر منصات التواصل، حتى لو لم يكن يعرف نجوماً رياضيين سابقين كانوا يحظون بحضور كبير في التلفزيون.

مؤهلات إعلامية

قال الإعلامي جلال الحرباوي إن بعض البرامج أصبحت تركض خلف «الترند»، بدلاً من صناعة محتوى قادر على تقديم الإضافة، مؤكداً أن تأثير المنصات الرقمية دفع بعض البرامج الرياضية، وحتى البرامج التلفزيونية بصورة عامة، إلى استضافة مشاهير «السوشيال ميديا»، بهدف جذب المتابعين وتحقيق التفاعل.

وأضاف أن المشكلة لا تكمن في استخدام المنصات الرقمية، وإنما في أن يصبح «الترند» هو الهدف الأساسي للمحتوى، مشيراً إلى أن بعض البرامج الرياضية في القنوات العربية، تحولت إلى مساحة من الضوضاء، حيث تتعدد الأصوات والآراء، دون أن يحصل المشاهد بالضرورة على معلومة أو تحليل مفيد.

وانتقد الحرباوي دخول أشخاص إلى مجال المحتوى الرياضي من دون امتلاك التأهيل الكافي، معتبراً أن انتشار صانع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، لا يعني بالضرورة امتلاكه المعرفة أو الخبرة التي تؤهله لتقديم تحليل رياضي متخصص.

وأكد الحرباوي أنه رغم الانتشار الأسرع لـ «السوشيال ميديا»، إلا أنها لا يمكنها أن تخطف الأضواء من التليفزيون بالضرورة، وذلك إذا نجحت القنوات في تقديم محتوى مفيد ومتخصص.

تحديات

يرى خالد عبيد مدير فريق النصر السابق والمحلل الفني، أن البرامج الرياضية تواجه تحدياً كبيراً في عصر «السوشيال ميديا» والذكاء الاصطناعي، بعدما أصبح الجمهور يبحث عن المعلومة المختصرة والمباشرة، بعيداً عن الإطالة والتكرار.

موضحاً أن «كثرة الكلام في بعض البرامج الرياضية، لم تعد تتناسب مع طبيعة المتلقي الحالي، الذي يستطيع الوصول إلى المعلومة خلال ثوانٍ عبر الهاتف ومنصات التواصل الاجتماعي».

وأشار عبيد إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بطريقة تقديم البرامج، وإنما تمتد إلى نوعية بعض المحللين، مشيراً إلى أن كون المحلل لاعباً سابقاً، لا يعني بالضرورة امتلاكه الأدوات الفنية التي تؤهله للتحليل المتخصص.

وقال خالد عبيد: «هناك جوانب فنية دقيقة في كرة القدم، لا يمكن اكتشافها أو تفسيرها إلا من خلال محلل لديه معرفة وخبرة تدريبية وفنية، ولذلك، أعتقد أن البرامج الرياضية بحاجة إلى استضافة أشخاص مارسوا التدريب، ولديهم القدرة على شرح أساليب اللعب، والتحولات والتفاصيل الفنية بصورة واضحة».

وأضاف خالد عبيد: بعض البرامج أصبحت تعتمد بصورة أكبر على الإثارة والجدل، بينما توجد برامج أخرى تقدم تحليلاً فنياً جيداً، خصوصاً «استوديوهات» التحليل قبل وبعد المباريات مباشرة، وتقدم خلال نحو 20 دقيقة، أهم الحالات الفنية في اللقاء.

وانتقد عبيد ما وصفه بغياب الحيادية لدى البعض، مؤكداً أنه لا يتابع البرامج الرياضية حالياً، خصوصاً خلال كأس الخليج، بسبب اختلاف مستوى الطرح بين محلل وآخر.

تغيّر المشهد الإعلامي

إبراهيم الحوسني

أكد إبراهيم الحوسني مشجع المنتخب الوطني، أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً أساسياً من المشهد الإعلامي الرياضي، إلى درجة أن القنوات التلفزيونية نفسها باتت تعتمد على منصاتها الرقمية لنشر المقاطع القصيرة من برامجها، بعدما تغيرت عادات الجمهور، وأصبح الهاتف وسيلة رئيسة لمتابعة المحتوى الرياضي.

وأوضح الحوسني أن البرامج الرياضية لم تعد تحظى بالمتابعة التي كانت عليها في السابق، مشيراً إلى أن الجمهور أصبح أكثر قدرة على فهم كرة القدم، وتحليل المباريات، وبالتالي، لم يعد يبحث عن مجرد الحديث المطول أو النقاشات التقليدية.

وأضاف الحوسني أن بعض البرامج لا تقدم تحليلاً فنياً بالشكل المطلوب، بينما تحولت برامج أخرى إلى مساحة لإثارة الجدل، أكثر من تقديم محتوى مفيد للمشاهد.

وأشار الحوسني إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تغيراً واضحاً في طريقة استهلاك المحتوى الرياضي، حيث أصبح الجمهور يتجه إلى مقاطع الفيديو القصيرة على يوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى انتشار برامج «البودكاست»، خصوصاً بين فئة الشباب، لافتاً إلى أن جمهور كرة القدم نفسه أصبح منتجاً للمحتوى، وهناك مشجعون يقدمون تحليلات وآراء تحظى بالمتابعة والاهتمام، ربما أكثر من القنوات الرياضية.

ويرى إبراهيم الحوسني أن بعض المحللين يتحدثون كثيراً، دون إضافة فنية حقيقية، معتبراً أن «الحشو» وإثارة الجدل، لا يمكن أن يكونا بديلاً عن التحليل المتخصص، وفي الوقت نفسه، هناك برامج ومحللون لا يزالون يقدمون محتوى جيداً، لكن الصورة العامة تغيرت، وأصبحت «السوشيال ميديا» شريكاً أساسياً في صناعة ومتابعة المحتوى الرياضي.

عبدالرحمن أمين:

المشكلة هي كيفية استثمار «السوشيال ميديا»

أحمد سلطان:

العلاقة تكاملية وليست منافسة ومواكبة التطور الحل

خالد العوضي:

الخبر يبدأ من المنصة والقنوات تأتي للتأكيد

عبدالله حسن:

السرعة وحدها لا تكفي.. وحقوق البث قوة كبيرة

جلال الحرباوي:

البعض أصبح يركض خلف «الترند» فقط

خالد عبيد:

«السوشيال ميديا» اختصرت الطريق على الجمهور