كانت بطولة كأس الخليج العربي، منذ رأت النور أول مرة، بمنزلة ميثاق شعبي مكتوب بمداد الأخوّة، وعرس قوامُه اللقاء، ووتد نُصبت عليه خيام المودة ومجالس التلاقي، قبل أن يتبدل المشهد اليوم في زمن التحديث وعصر العولمة الإعلامية، فرغم أن البطولة تمدنت وتطورت تنظيماً، وتحديثاً للمنشآت، واستقطاباً للمدربين العالميين، إلا أنها في المقابل بدت وكأنها تغترب عن روحها القديمة وعاداتها الأصيلة، إذ اختفت تلك التجمعات العفوية، وغابت الخيام التراثية والمجالس النابضة التي كانت تذيب الحواجز بين المسؤول واللاعب والإعلامي والمشجع، ومع رحيل الرموز والقامات الإدارية التاريخية التي كانت تمنح الكأس ثقلاً استثنائياً، وغياب الصحافة الورقية، التي كانت تشعل البطولة بمعاركها المهنية، ولهاثها خلف السبق الصحافي، أصبحت البطولة أشبه بموقع إلكتروني بارد، تحكمه الشاشات وصناع المحتوى، بعد أن تخلت عن تفاصيلها الإنسانية الحميمة، وفي هذا التحقيق، نفتح دفاتر الذكريات، ونستنطق شهادات مجموعة من الرياضيين والإعلاميين الذين عاصروا النسخ السابقة، وعاشوا تفاصيلها الذهبية، لتوضيح الفروقات الجوهرية، ورسم ملامح التحول بين «خليجي» الأمس واليوم.



يقول الكاتب والإعلامي الكويتي المخضرم مبارك الوقيان، والذي عاصر 15 نسخة من كأس الخليج، ويعتبر نفسه خريج هذه البطولة العريقة، إن الفوارق الشاسعة بين الأمس واليوم لبطولة خليجي، امتدت لتطال أدق تفاصيل المشهد اليومي، والفعاليات المصاحبة، التي كانت تميز الروح الخليجية، لافتاً إلى أن البطولة فقدت أسلوب حياتها التاريخي، الذي لا يشبه أي بطولة إقليمية أو قارية أخرى.

وأشار بأسف إلى اختفاء تلك المشاهد التاريخية، المتمثلة في المجالس المفتوحة، والخيام التراثية، والملتقيات العفوية، والتجمعات النابضة التي كانت تجمع أبناء الخليج، وتذيب الحواجز بينهم، ويرى أن غياب هذه الفعاليات المصاحبة، قد جرد البطولة من أجوائها الحيوية، وحرمها من تلك اللقاءات والتقاليد التي اشتهرت بها على مدى عقود.

ورسم الوقيان مقارنة حزينة لشكل المقرات الإعلامية، وكيف كانت الفنادق والمراكز الإعلامية في الماضي بمثابة خلايا نحل لا تنام على مدار 24 ساعة، حيث تتدفق الصحف الخليجية الورقية يومياً، وبكميات هائلة، ويشتعل المكان بالحماس والشغف، أما اليوم، فالمركز الإعلامي بات خالياً، يُغلق أبوابه مبكراً، في تحول محزن لكل من عاش العصر الذهبي للمسابقة.

وأشار الوقيان إلى تبدل التركيبة البشرية في كواليس البطولة، فبينما كانت هذه المسابقة في الماضي هي البوابة الشرعية والوحيدة لصناعة أسماء كبار الصحافيين، وإبراز مواهبهم ونشاطهم في نقل الخبر، أصبحت اليوم ساحة يطغى عليها أصحاب المواقع الإلكترونية، وصناع المحتوى الذين يوجدون بكثرة، إدراكاً منهم لخصوصية هذا الحدث، وعبّر عن أمنياته في أن تستعيد البطولة هويتها السابقة، وتعود كما كانت، حاضرة بفعالياتها وبزملائه الإعلاميين المميزين، لتبقى منصة حية للتواصل الإنساني والمهني.



لم تكن الرؤية القطرية بعيدة عن هذا الشجن، حيث يؤكد محسن جاسم، المنسق الإعلامي باللجنة الأولمبية القطرية، أن الأجواء الخليجية الحميمية التي ميزت البطولة لعقود، أصابها تحول جذري، واغتراب فرضته مستجدات العصر، ويرى جاسم، الذي عاصر تفاصيل 8 بطولات خليجية، أن البطولة فقدت عفوية المجتمعات البسيطة التي كانت تعزز الروابط، لينفرط معها عقد تلك «اللمة التاريخية»، وتندثر جلسات السمر والديوانيات الخليجية الموحدة، وحفلات العشاء التي كانت تُصاغ خلف كواليسها اللحمة الحقيقية في فندق إقامة مشترك يجمع الجميع بلا حواجز.

ويشير جاسم بأسف إلى أن طفرة الإعلام الرقمي أحدثت فجوة اتصالية عميقة، فبعد أن كان الإعلاميون نخبة تجمعهم معرفة شخصية وزمالة مباشرة بمجرد اللقاء، بات التواصل اليوم منعدماً بين الصحافيين، واختفت الخطط الموحدة، وتحولت البطولة من «عرس اجتماعي دافئ»، إلى مجرد حدث تنافسي جاف.



من جانبه، يقف عبد العزيز الحمر رئيس القسم الرياضي بوكالة الأنباء القطرية، على أطلال «زمن العمالقة الجميل»، مؤكداً أن مظهر بطولات الخليج تراجع كثيراً، وفقد بريقه الخاص، مستحضراً ملامح الماضي، حين كانت البطولات تشهد تلاحماً فريداً، يجمع كبار المسؤولين ورؤساء الوفود في مقار إقامة موحدة ومفتوحة الأبواب، تتصدرها المجالس الخليجية العفوية، حيث يحتسي الصحافي القهوة مع رئيس اللجنة الأولمبية، ويتحاور مع الإداريين، ويقتنص تصريحات نارية، كانت تشعل حماس الشارع الرياضي.

ويضيف الحمر أن دورات الخليج الحالية افتقدت كاريزما وهيبة قامات تاريخية فذة، كانت بمثابة صمام أمان لزخم البطولة، أمثال الشيخ عيسى بن راشد، والأمير فيصل بن فهد، وأحمد الفهد، وغيرهم من الرموز، وينتقد الحمر واقع اليوم، موضحاً أن الاحترافية الجافة فرضت عزلة تامة، وانفصالاً بين الصحافي والمسؤول، فبعد أن كان الإعلام يتحرك بحرية ومرونة، تحولت أروقة الفنادق والملاعب والمناطق المختلطة اليوم إلى مساحات باردة، خالية من الروح، ومحكومة بالرسميات والبيروقراطية المفرطة.



أكد الإعلامي الرياضي الكويتي وليد المخلف، الذي عاصر أكثر من 10 نسخ من البطولة، أن رصد الفوارق بين الدورات الأخيرة، وتلك التي أُقيمت قبل 15 أو 20 عاماً، يكشف عن تراجع ملموس في مساحات الود والقرب التي كانت تجمع المشاركين تحت سقف واحد، ويتذكر الأجواء الاستثنائية التي عاشها في النسخ السابقة، حيث كانت العلاقة بين الإعلاميين الخليجيين نموذجاً يجمع بين شراسة التحدي والمنافسة المهنية أثناء المباريات، والدفء الإنساني وجلسات النقاش وتبادل الأفكار، ولم يكن هذا التقارب الفريد حكراً على الصحافيين، بل امتد ليشمل اللاعبين، ورؤساء الوفود، والشخصيات الرياضية الوازنة، إذ لم تكن حدة التنافس داخل المستطيل الأخضر لتفسد يوماً للود قضية خارجه.

وينتقد الإعلامي الكويتي واقع الجيل الحالي، من حيث صعوبة التواصل، إذ كان بمقدور الإعلامي في السابق التعرف إلى لاعبي المنتخبات الخليجية المنافسة، والجلوس معهم ومحاورتهم بكل مرونة، في حين بات الوصول إليهم اليوم أشبه بالمستحيل.

وعن أسباب هذه الفجوة، يشير المخلف، إلى أن الإجراءات التنظيمية الصارمة، وحرص الأجهزة الفنية والإدارية على إبعاد اللاعبين عن الضغوط النفسية، يُعدان من أبرز العوامل المؤثرة، مؤكداً أن الضغوطات والتحديات الجماهيرية والإعلامية، كانت حاضرة وبقوة في الماضي، ورغم ذلك، لم تمنع المنتخبات والوفود الخليجية من الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، وبقاء جسور العلاقات الإنسانية ممدودة بين الجميع.

تراجع الزخم الشعبي والرسمي

يرى الإعلامي والمؤرخ الرياضي محمد الجوكر، الذي يُعد أحد أقدم الصحافيين الذين عاصروا محطاتها التاريخية، أن الدورات الأولى للبطولة تميزت بزخم شعبي، ورسمي، وجماهيري جارف، لكنها بدأت تفقد تدريجياً ذلك البريق الخاص، حيث باتت تفتقر اليوم إلى «نجوم الخليج» الكبار، الذين أحبهم الجمهور، وارتبطت بأسمائهم ذاكرة البطولة، معبراً عن افتقاده الشخصي لتلك القامات الرياضية الخليجية التي عاصرها في الدورات السابقة، أمثال الراحلين الأمير فيصل بن فهد، والشيخ فهد الأحمد، والشيخ عيسى بن راشد، حيث كانت هذه الشخصيات الفذة تمنح البطولة ثقلاً استثنائياً، وهيبة خاصة، بفضل حضورها الدائم وتواصلها المباشر مع كافة أطراف المنظومة.

وتوقف الجوكر، عند طبيعة العلاقة الحالية بين رؤساء الاتحادات الخليجية والإعلاميين، واعتبر أن غياب هذه اللقاءات المباشرة قد خلّف فجوة اتصالية واضحة بين القيادات الرياضية والمنصات الإعلامية، داعياً إلى ضرورة إعادة النظر في هذا الجانب خلال البطولات المقبلة، خاصة أن بعض رؤساء الاتحادات يمتلكون خبرات وتجارب عريضة تتطلبها البطولة، ولا بد من استثمارها عبر التقارب مع وسائل الإعلام، وأشار إلى أنه رغم اختلاف طبيعة تفكير الجيل الحالي عن سابقيه، فإن ذلك لا يبرر أبداً التخلي عن هذه العلاقة التفاعلية المهمة.

ورصد الجوكر تراجعاً ملحوظاً في المساحات التي تفردها الصحف الخليجية لتغطية منافسات البطولة مقارنة بالماضي، مستشهداً بالمعارك الصحافية، والتنافس الإعلامي القوي الذي كان يشعل الحماس في الدورات السابقة، بينما باتت أخبار الكأس اليوم تشغل مساحات محدودة وخجولة في بعض الصحف، عازياً هذا التحول الجذري إلى هجرة النشر نحو المنصات الرقمية والنسخ الإلكترونية، مؤكداً في الوقت ذاته أن هذا التحول التكنولوجي وحده لا يفسر هذا التراجع الواضح في الاهتمام الذي طالما ميز المونديال الخليجي في عقوده الذهبية.

بلا شغف ولا سبق صحافي

قدّم الإعلامي والناقد الرياضي العراقي سيف المالكي، الذي عاصر نسخاً عدة من بطولات كأس الخليج، مقارنة تحليلية تفيض بالشجن بين الماضي والحاضر، ويرى أن بطولات الخليج في نسخها الأخيرة، باتت غريبة عن ملامحها الأولى، لافتاً إلى أن أبرز ملامح هذا التغيّر، يكمن في غياب الشخصيات المؤثرة والمخضرمة التي وضعت اللبنات الأولى، ورسمت الهوية العريقة للمسابقة، وفي مقدمهم الراحل الشيخ عيسى بن راشد، إلى جانب كوكبة من المدربين واللاعبين القدامى، الذين غيبهم الموت، أو آثروا الانزواء بعيداً عن كرة القدم حالياً.

وأشار المالكي إلى الغياب الصريح والصادم للصحافة الورقية داخل المقرات والمراكز الإعلامية، مؤكداً أن الصحافة المكتوبة أصبحت تعيش حالة من الوفاة السريرية، بعد أن التهم بعبع السوشيال ميديا ومنصات التواصل الاجتماعي محتواها وموادها الصحافية، حتى بات الموبايل هو البديل الشرعي للقلم، وأخذت الكاميرا الرقمية والشاشة صدارة المشهد، على حساب الورق، لتتحول المسابقة بالكامل إلى بطولة المواقع والمنصات الرقمية.

ويعبّر المالكي بنبرة يملأها الحزن عن واقع الإعلام الرياضي الخليجي اليوم، مؤكداً أن النسخ الحالية تفتقد إلى ذلك الشغف الجارف، الذي كان يشتعل بين الزملاء الإعلاميين في الماضي، حيث كان الجميع يتسابقون في أروقة الفنادق والملاعب لاقتناص سبق صحافي، أو الفوز بخبر عاجل وتقرير مميز، وتوقع أن تشهد البطولات المقبلة غياباً تاماً ونهائياً للصحف الورقية، مع الاستعاضة عنها كلياً بالمواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية، التي بسطت نفوذها على المشهد.

--

أبرز الملامح الخليجية الغائبة

1- المجالس والديوانيات.. اختفاء المجلس الخليجي العفوي بالفنادق.

2- الخيام والملتقيات.. تراجع الفعاليات التراثية والملتقيات الشعبية في المدن المستضيفة.

3- الفندق الموحد.. غياب السكن المشترك للوفود، الذي كان يمثل خيمة كبرى لا تنام.

4- السبق الصحافي.. انطفاء الشغف والتنافس المحموم بين الصحافيين لاقتناص الأخبار.

5- الصحافة الورقية.. اختفاء الصحف المطبوعة من المراكز الإعلامية.

6- حرية الاتصال.. فرضت الاحترافية الجافة عزلة تامة بين الإعلامي واللاعب.

7- كاريزما العمالقة.. غياب القامات الإدارية التاريخية الكبرى، التي كانت تمنح البطولة ثقلاً.