منذ أن انطلقت كأس الخليج في البحرين عام 1970 كان توقيت إقامتها من أكبر وأبرز التحديات التي تواجه البطولة التي تعد ذات طابع خاص ومتفرد عن كل بطولات كرة القدم، إذ على مدى أكثر من نصف قرن، حافظت كأس الخليج على مكانتها كواحدة من أكثر البطولات ارتباطاً بالذاكرة الرياضية والاجتماعية في المنطقة.
التحدي الأهم كان في الحفاظ على الاستمرارية في إقامة البطولة، وهو ما حدث بفضل تكاتف أبناء الخليج، لكن البطولة لم تنجح دائماً في الاحتفاظ بموعد ثابت، ففي مراحل كانت تقام كل عامين، وهو النظام الأساسي للبطولة، وفي مراحل أخرى تقاربت النسخ حتى أقيمت بطولتان في عامين متتاليين، وبسبب تأجيلات سابقة امتدت فترات الانتظار أحياناً إلى 3 أو 4 سنوات.
بالتزامن مع «خليجي 27» المقامة حالياً في جدة، تعود قضية الروزنامة وموعد البطولة إلى الواجهة، خصوصاً أن البطولة خرجت في نسختها الحالية من موعدها التقليدي في الشتاء إلى توقيت خريفي لأول مرة بين شهري سبتمبر وأكتوبر، بينما جاء إعلان الاتحاد الخليجي إسناد «خليجي 28» إلى العراق وإقامتها في الفترة من 9 إلى 22 ديسمبر 2028، ليطرح تساؤلات حول إمكانية استعادة المواعيد السابقة أم سيظل عدم الانتظام والبحث عن مواعيد بسبب الروزنامة القارية والدولية هو الصفة السائدة للبطولة.
البدايات
في بدايات كأس الخليج، كان تنظيم البطولة أقرب إلى الانتظام، لكن التوسع التدريجي في أجندة كرة القدم الآسيوية والدولية جعل تثبيت الموعد أكثر صعوبة. ومن أبرز المحطات التاريخية «خليجي 8» التي تغير موعدها لتقام في مارس وأبريل لتفادي تعارضها مع تصفيات كأس العالم وأولمبياد لوس أنجلوس ومنافسات الاتحاد الآسيوي في ذلك الوقت.
ظهر الاضطراب الأكبر في نهاية التسعينيات وبداية الألفية، حين أقيمت «خليجي 14» في البحرين عام 1998، ثم انتظرت البطولة حتى «خليجي 15» التي أقيمت في السعودية في يناير 2002، أي بفاصل 4 سنوات، ولتعويض التأخير تقاربت المواعيد في النسخ التالية، فأقيمت «خليجي 16» في الكويت بين ديسمبر 2003 ويناير 2004، ثم «خليجي 17» في قطر عام 2004.
وفي السنوات التالية، اختلفت المواعيد وحدثت تأجيلات عدة خاصة في النسخ الأخيرة، وهو ما يعيد جدلية الموعد، الذي وصل في بعض الأحيان إلى التهديد بعدم إقامة البطولة لسنوات، حيث استطلعنا في التقرير التالي آراء الخبراء والمختصين حول ما تحتاجه البطولة لتفادي الصعوبات السابقة، بتحديد موعد ثابت رغم أنه تحد صعب تنفيذه، أم أن مرونة الموعد أصبحت ضرورة تفرضها الروزنامة الدولية؟
عودة إلى التناوب
من جهته، أكد المدرب العراقي المخضرم عدنان حمد، مدرب العراق والأردن والبحرين السابق، أن بطولة كأس الخليج تحظى بمكانة خاصة، مشيداً في الوقت ذاته بالدور الذي يقوم به الاتحاد الخليجي في تطوير المسابقات واستحداث بطولات جديدة.
وقال: الروزنامة الكروية أصبحت مزدحمة جداً، ومن الصعب إيجاد مواعيد مناسبة لإقامة البطولة، خصوصاً مع ارتباط المنتخبات بالاستحقاقات القارية والدولية، والتوقيت الحالي، حتى وإن أتاح فرصة لإقامة البطولة خلال فترة التوقف الدولي، يبقى صعباً من الناحية الفنية، بسبب الأجواء وتأثيرها على المستوى الفني.
وأضاف: مسألة توقيت البطولة ليست جديدة، بل تعد من التحديات المستمرة منذ سنوات، ومن الصعب تثبيت موعد دائم في ظل التغييرات التي تطرأ على أجندة الاتحاد الدولي لكرة القدم والالتزامات المختلفة للمنتخبات الآسيوية.
وطالب عدنان حمد بإعادة النظر في التنظيم والعودة إلى الاستضافة بالتناوب بين الدول الخليجية، موضحاً: أرى أن إعادة التنظيم بنظام الدور يعيد للبطولة زخمها.
وأشار حمد إلى أن روزنامة الاتحاد الدولي لكرة القدم قد تشهد تغييرات خلال العامين المقبلين، مع تقليص فترات التوقف الدولي إلى فترتين فقط، وهو ما يجعل التخطيط للبطولا المقبلة بحاجة إلى دراسة مبكرة.
وشدد عدنان حمد على أن الحفاظ على خصوصية كأس الخليج واستمراريتها يتطلب التعامل بمرونة مع الروزنامة، إلى جانب تطوير آلية التنظيم بما يواكب المتغيرات التي تشهدها كرة القدم.
ازدحام البطولات
كما أكد رياض الذوادي، المدرب البحريني السابق والمحلل الفني، أن ازدحام الروزنامة الدولية والقارية والعربية والخليجية بات من أبرز التحديات التي تواجه بطولة كأس الخليج، مشيراً إلى أن تعدد البطولات وتداخل مواعيدها يضع الاتحاد الخليجي أمام مهمة صعبة في تحديد موعد ثابت للبطولة.
وقال الذوادي: اليوم الأمور أصبحت صعبة للغاية على دول الخليج، فالروزنامة الدولية والعربية والآسيوية مزدحمة بطريقة غير طبيعية، والتنافس على المواعيد بين البطولات جعل اتحاد الخليج في كثير من الأحيان الحلقة الأضعف في حجز موعد مناسب.
وأضاف: المشكلة أصبحت دائرة بين هذه البطولات، لكن الاتحاد الخليجي يجب أن يكون صاحب المبادرة في التعامل مع هذه الإشكالية، والعمل على إيجاد مساحة واضحة للبطولة ضمن الروزنامة.
وأوضح الذوادي أن إقامة البطولة في توقيت مرتبط بالاستحقاقات الآسيوية والدولية قد تكون فرصة مهمة للمنتخبات، وقال: لو أقيمت البطولة في توقيت قبل كأس آسيا مثلاً كل مرة أو قبل تصفيات كأس عالم مثل النسخة الحالية قبل كأس آسيا 2027 بقليل، قد يكون ذلك مناسباً جداً، فهذه مرحلة جيدة للمنتخبات لمعرفة أين وصلت وإلى أين تتجه، بشرط أن تكون هناك عملية تقييم حقيقية من الاتحاد.
وحذر الذوادي من إجراء تغييرات جوهرية على هوية البطولة، قائلاً: «أسوأ شيء أن نصل إلى أفكار تتجه إلى تغيير البطولة، هذه بطولة تاريخية وعريقة، والمحافظة على توقيتها وخصوصيتها أمر ضروري من أجل بقائها، هي من أقدم البطولات في العالم، ونحن لا نرغب في تغييرها أو تأخيرها، لأنها بطولة للشعوب الخليجية».
وشدد الذوادي على أن الاستقرار هو العامل الأهم في المرحلة المقبلة، مضيفاً: «الثبات كل سنتين، مع تنظيم جيد، هو المطلوب، استمرار البطولة بصفة دورية والمحافظة على عدد مبارياتها يمنحها قوتها ومكانتها».
وأشار الذوادي إلى أن البطولة العربية دخلت كذلك على مساحة البطولة الخليجية، وتداخل البطولات العربية مع الخليجية أربك الروزنامة وأصبح من الصعب تحديد مواعيد مناسبة.
الأهم الاستمرارية
أكد خالد عوض رئيس لجنة المسابقات السابق باتحاد الإمارات لكرة القدم، أن استمرار بطولة كأس الخليج يمثل مطلباً جماهيرياً وضرورة للحفاظ على واحدة من البطولات التي تحمل خصوصية كبيرة لدى شعوب المنطقة، مشيراً إلى أن استمراريتها في ظل ازدحام الروزنامة الدولية والقارية تعد إنجازاً بحد ذاتها.
وقال خالد عوض: أولاً، استمرار البطولة يعد إنجازاً، أما مسألة التوقيتات، فهي مرتبطة بظروف المنتخبات، خصوصاً أن البطولة غير رسمية وغير معترف بها من الاتحاد الدولي لكرة القدم، لكن استمراريتها أمر مطلوب، حتى ولو لم يكن هناك انتظام في التنظيم.
وأضاف: اختلاف التوقيت ليس المشكلة الأساسية، في ظل التزامات المنتخبات وتغير الروزنامة، وأعتقد أن اختلاف المواعيد لا يهم كثيراً لأن الأهم هو استمرارية البطولة، خاصة وأن الجميع يعلم صعوبات اختيار التوقيت نتيجة تداخل البطولات القارية والدولية.
وتابع: نحن متفهمون لأسباب تغير الروزنامة، ونتفهم كذلك أن تكون هناك مرونة في عدم وجود موعد ثابت للبطولة، نظراً لازدحام الروزنامة الدولية وكثرة الاستحقاقات.
مقارنة بـ«العربية»
في المقابل، يرى حمد الدبيخي، لاعب المنتخب السعودي السابق، أن كأس الخليج لا تعاني من عدم الاستقرار، مؤكداً أن البطولة تتميز باستمراريتها وانتظامها مقارنة بالبطولة العربية، وقال: إذا قارنا كأس الخليج بالبطولة العربية فهي أكثر انتظاماً منها، وهناك حرص على أن تقام بشكل دائم، ولا أعتقد أنها تتعرض للمقاطعة أو أنها مهددة، بل على العكس، واختلاف المواعيد أمر ليس في يد أحد بسبب الروزنامة الدولية.
وأضاف: البطولة العربية كانت تختفي لعشر سنوات، والنسختان أو الثلاث الأخيرة هي التي عادت للانتظام، بعكس كأس الخليج نتيجة حرص قيادات وأبناء الخليج على استمرارها رغم الصعوبات والتحديات، ولا أعتقد أن مسألة تغير المواعيد أو التأجيل لبعض النسخ أمر يهدد البطولة بشكل عام ولكنه طبيعي بسبب التغيرات الحادثة في عالم كرة القدم بسبب زيادة البطولات والمباريات.
آلية التنظيم
من جهته، أكد الإعلامي العماني ناصر درويش، أن بطولة كأس الخليج تواجه عدداً من التحديات التي تستدعي إعادة النظر في آلية تنظيمها وتسويقها، مشيراً إلى أن الروزنامة الدولية وتكاليف الاستضافة والعوائد التسويقية تأتي في مقدمة هذه التحديات.
وقال درويش: من أبرز التحديات التي تواجه بطولة كأس الخليج أن البطولة تقام في أيام الفيفا، فالمنتخبات اليوم مرتبطة بأجندة دولية، إضافة إلى تحديات الاستضافة والتسويق وحقوق البث.
وطالب درويش بمراجعة آليات الاستضافة والعوائد والتوقيتات، بما يشجع جميع دول الخليج على استضافة البطولة، مشيراً إلى أن تطوير البطولة يتطلب معالجة هذه الملفات، ما يضمن استمرارها واستقرارها.
قيمة كبيرة
وأكد الإعلامي السعودي فواز الشريف، أن بطولة كأس الخليج تمتلك قيمة كبيرة تتجاوز الجانب الرياضي، مشدداً على ضرورة تطوير روزنامتها وآلية تنظيمها وتسويقها بما يواكب مكانتها لدى أبناء الخليج.
وقال: كأس الخليج منذ بداياتها كانت تسير بشكل متميز، لكنها تتأثر بالكثير من المؤثرات التي تقيدها، ومع إنشاء اتحاد كأس الخليج توقعنا أن تصبح البطولة ذات شكل واضح ورسمي، وأن يكون لها تداخل مع أجندة الاتحاد الدولي لكرة القدم، لكن حتى الآن لا تزال هناك تساؤلات حول آلية تنظيمها والاتفاقات والمؤثرات التي تحكم اجتماعات لجنة المسابقات.
وأضاف: كأس الخليج ليست مجرد بطولة كرة قدم، وإنما دورة ثقافية خليجية عالية القيمة، لكنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير، مشدداً على أهمية الجانب التسويقي، والذي سيجعل من تحديد مواعيدها أمراً سهلاً بدلاً مما حدث في السابق.
وختم: هذه بطولتنا، ولا بد أن نحافظ عليها ونطورها ونجتهد فيها، لأنها بجمالها تشكل أسبوعين من أجمل الأسابيع، كأس الخليج هي ذاكرة لكل خليجي، وأتمنى الحفاظ على هذه الذاكرة وتطويرها من خلال عمل استراتيجي منظم وعلى أعلى مستويات العمل الإداري.
اضطراب العقد الأخير
في العقد الأخير لم تكن الروزنامة وحدها سبباً في تغيير توقيت أو تأجيل بعض النسخ، فالاستضافة دخلت أحياناً في دائرة التأثير على الموعد والمكان، فكانت «خليجي 22» مثالاً واضحاً، بعدما كانت مقررة في العراق، قبل أن تنتقل إلى السعودية، أولاً إلى جدة ثم إلى الرياض.
أما «خليجي 23» فكانت واحدة من أكثر النسخ اضطراباً من الناحية التنظيمية، حيث تغيرت وجهة البطولة بين العراق والكويت وقطر قبل أن تستقر في الكويت بعد رفع الإيقاف عن الاتحاد الكويتي من الفيفا.
كما كانت «خليجي 25» واحدة من أكثر النسخ التي تأجلت، إذ بعد إقامة «خليجي 24» في قطر عام 2019، كان مقرراً أن تقام النسخة التالية في البصرة خلال ديسمبر 2021، قبل أن يعلن اتحاد كأس الخليج تأجيلها إلى يناير 2023 بسبب ازدحام روزنامة المنتخبات الخليجية ومشاركاتها القارية والدولية، وبالتالي امتد الفاصل بين البطولتين إلى نحو 4 سنوات، عادت خلالها إلى العراق بعد غياب طويل عن الاستضافة.