منذ أن كانت طفلة في الخامسة من عمرها، اختارت منى زاكيني أن تمشي على طريق مختلف.. في أحد أحياء المغرب، وتحديداً داخل أروقة نادي الوفاق، بدأت أولى خطواتها في رياضة التايكواندو، تحت إشراف المدرب عبدالنبي السعودي، أحد أعلام اللعبة في المملكة المغربية، والذي كان له الفضل في صقل موهبتها وتطويرها، لاعبة ثم مدربة.

وكانت السنوات الأولى في المغرب حافلة بالبطولات المحلية والدولية، قبل أن تنضم إلى صفوف منتخب الإناث، وتبدأ مرحلة الاحتراف، حيث مثلت بلادها في عدد من الاستحقاقات الخارجية، وأحرزت ميداليات على المستويين العربي والدولي.

وفي سن الثالثة عشرة، بدأت منى زاكيني أولى تجاربها مع التدريب، عندما كلفها مدربها بالإشراف على فئة تحت 11 عاماً، بسبب سفره لحضور دورة خارجية، ورغم صغر سنها آنذاك، إلا أنها نجحت في المهمة، مما منحها ثقة مبكرة وقدرة على إدارة الفريق.

لاحقاً، وفي سن الحادية والعشرين، انتقلت إلى دولة الإمارات، وبدأت مرحلة جديدة من حياتها المهنية، حيث خاضت رحلة جديدة كلاعبة محترفة في عدد من الأندية، قبل أن تنتقل إلى ساحة التدريب، بداية مع منتخب شرطة دبي للسيدات، ثم وزارة التربية والتعليم، وصولاً إلى تدريب منتخب الإمارات الوطني للسيدات.

وواكبت عن قرب التحول الذي شهدته رياضة التايكواندو للفتيات في الدولة، من بدايات بسيطة إلى مشروع طموح يتجه نحو المنافسة القارية والعالمية.

رحلة زاكيني بين المغرب والإمارات منحتها رؤية مزدوجة وشاملة لتطور الرياضة النسائية في العالم العربي، وقالت في حديثها لـ«البيان»: «التايكواندو في المغرب يتمتع بقاعدة جماهيرية واسعة وعدد كبير من اللاعبات، ما يولّد تنافساً كبيراً ومخرجات فنية متميزة.

أما في الإمارات، فقد كانت الرياضة جديدة نسبياً على المجتمع عند وصولي، وعدد الفتيات الممارسات لها قليل، لكن اليوم هناك تطور ملحوظ ودعم ملموس».

خلال هذه المسيرة، حصلت زاكيني على تكريمات متعددة، حيث كرمها سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، عقب حصدها لميداليات في بطولتي العالم للمدارس بالمغرب وبلغاريا،

كما تم تكريمها من شرطة دبي بعد تحقيق المركز الأول في بطولة وزارة الداخلية، وكرمتها إدارة المنشآت والطوارئ لنجاحاتها مع فريق الشرطة النسائي، كما كرمتها الجهات الرياضية بعد حصول منتخب الإمارات على المركز الثاني في بطولة العالم المدرسية ISSF 2024.

وقالت زاكيني عن ذلك: «ترشيحي لجائزة فاطمة بنت مبارك لرياضة المرأة واختياري ضمن أفضل ثلاث مدربات في العالم العربي يمثلان لي تقديراً غالياً، ويشكلان دافعاً قوياً لمواصلة العمل وتقديم المزيد».

تحديات

وتحدثت زاكيني عن أبرز التحديات التي واجهتها خلال مسيرتها كمدربة لمنتخب الإمارات للسيدات، مشيرة إلى أن عدم توفر قاعة تدريب خاصة كان من العقبات الرئيسية، حيث اضطرت إلى الاعتماد على صالات تابعة لبعض الأندية الأخرى، وهو ما انعكس سلباً على انتظام التدريبات واستقرار البرنامج الفني..

وأضافت: «كنا نتدرب في أوقات محدودة جداً، تصل في بعض الفترات إلى حصتين فقط في الأسبوع، وهذا لا يكفي لبناء فريق منافس على المستوى الدولي، أيضاً، غياب المعسكرات الدولية أثر بشكل كبير على جاهزية اللاعبات وثقتهن بأنفسهن.

لأن الاحتكاك الخارجي ضروري لرفع المستوى وكسر حاجز الرهبة، خاصة في المواجهات مع لاعبات يملكن خبرة وتجربة طويلة؛ إضافة إلى ذلك، عدم توفر أخصائي نفسي رياضي في المنظومة زاد من صعوبة التعامل مع التوتر والضغوط التي تتعرض لها اللاعبات أثناء البطولات، وهي أمور في غاية الأهمية لبناء فريق قوي نفسياً وذهنياً».

ورغم التحديات التي واجهتها في بداياتها مع المنتخب، أكدت منى زاكيني أن الأمور بدأت تشهد تحسناً ملموساً في السنوات الأخيرة، مشيدة بالدعم المتزايد الذي توليه المؤسسات الرياضية في الدولة لرياضة المرأة.

وقالت إن هناك اهتماماً أكبر اليوم بتوفير بيئة تدريبية مناسبة، وفتح المجال أمام اللاعبات للمشاركة في بطولات خارجية، إلى جانب جهود واضحة في استقطاب الكفاءات وتطوير البنية التحتية، وهو ما يعكس حرص الدولة على تمكين المرأة رياضياً وإعداد جيل جديد من البطلات القادرات على تمثيل الإمارات في المحافل الدولية.

وحول الإقبال المتزايد من الفتيات العربيات على الرياضات القتالية، أشارت زاكيني إلى تغير واضح في السنوات الأخيرة، قائلة: «اللاعبات العربيات أصبحن ينافسن على المستوى الدولي ويحققن إنجازات كبيرة..

وهنا يبرز دور المدربات، فالمسؤولية لا تقتصر على الجانب الفني فقط، بل تشمل أيضاً تقديم الدعم النفسي والمعنوي، وبث الثقة في نفوس اللاعبات، وفتح الطريق أمامهن ليؤمنّ بقدراتهن، ويقتدين بنماذج ناجحة تثبت أن المرأة قادرة على التميز والوصول إلى أعلى المستويات في الرياضات القتالية».

أما عن طموحاتها، فأكدت زاكيني أنها تضع نصب عينيها هدفاً كبيراً، قائلة: «أطمح أن أرى منتخب الإمارات على منصة التتويج في الأولمبياد، فهذا هو الحلم الذي أعمل من أجله بكل طاقتي..

أما رسالتي لكل فتاة تحلم بأن تكون بطلة في التايكواندو، فهي آمني بقدرتك، وكوني واثقة بخطواتك، واعملي بجد لتحقيق هدفك، فالطريق صعب لكنه ليس مستحيلاً، وكل إنجاز كبير يبدأ بخطوة».