عادت ذكريات قديمة لتفرض نفسها داخل أروقة ريال مدريد، في وقت يراجع فيه «الميرنغي» حساباته بعد موسم خرج فيه بعيداً عن منصات التتويج، لتتجه أنظار الإدارة نحو اسم يعرف تفاصيل المكان جيداً، ويملك خبرة التعامل مع أجوائه المعقدة، وهو البرتغالي المخضرم جوزيه مورينيو، الذي عاد إلى حسابات رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز كخيار يعتمد على معرفة سابقة بدلاً من خوض مغامرة جديدة غير مضمونة النتائج، في ظل مرحلة يمر فيها النادي العاصمي بتحديات عدة.
استدعى بيريز ذكريات مرحلة سابقة حملت الكثير من الصخب، لكنها قدمت أيضاً نموذجاً مختلفاً لفريق استطاع مقارعة برشلونة في واحدة من أقوى فترات النادي الكتالوني بقيادة بيب غوارديولا، وهي نقطة لا تزال حاضرة في تقييم الرئيس، الذي يرى في المدرب البرتغالي شخصية قادرة على فرض الانضباط داخل غرفة الملابس، والتعامل مع الضغوط التي تحيط بالنادي من كل اتجاه، رغم ما صاحب فترته القديمة من صدامات مع الإعلام والحكام، ووصول حدة التوتر إلى داخل غرف الملابس مع أسماء كبيرة في الفريق حينها مثل كاسياس وكريستيانو رونالدو.
يفرض الواقع الحالي نفسه على الفريق، مع اقتراب ريال مدريد من إنهاء موسم ثانٍ على التوالي دون ألقاب، وهي وضعية لم تتكرر منذ ما قبل التعاقد الأول مع مورينيو، إلى جانب اختلال واضح في التوازن بين الخطوط ومراكز اللاعبين، حيث يشهد خط الهجوم تكدساً بالنجوم بينما يعاني الفريق من نقص في خطوط الدفاع، وهو ما يجعل الفريق عرضة للنتائج السلبية في المنافسات المختلفة.
تسلسل القرارات الفنية في الفترة الأخيرة كشف حجم التعقيد داخل النادي، بعد تجربة قصيرة للمدرب تشابي ألونسو لم تكتمل، رغم تكليفه بتحديثات في شكل الفريق، قبل أن يتم الاستغناء عنه سريعاً دون تحضير بديل، ليتولى المهمة لاحقاً ألفارو أربيلوا، الذي لم ينجح في تحسين النتائج، فعادت النقاشات حول الاستعانة بمدرب جديد بالتزامن من اقتراب نهاية الموسم، على أن يبدأ المدرب مشواره مع الفريق بداية من مرحلة الإعداد قبل انطلاق الموسم المقبل.
أسلوب الإدارة داخل ريال مدريد يعكس طبيعة هذا المسار، إذ يحتفظ فلورنتينو بيريز بالكلمة الأولى في القرارات الكبيرة، مع اعتماد واضح على قناعاته الشخصية، إلى جانب محدودية دور المسؤولين عن القرارات الفنية في ملف التعاقدات، ما يفرض واقعاً لا يخفى على أي مدرب، يتمثل في العمل داخل بيئة لا تمنحه السيطرة الكاملة على الفريق، ولا الوقت الكافي لتطبيق أفكاره
تاريخ النادي مع المدربين يقدم صورة مشابهة، حيث عاد كارلو أنشيلوتي وزين الدين زيدان لقيادة الفريق في فترات ثانية، ونجحا في تحقيق ألقاب جديدة، وهو ما عزز لدى بيريز فكرة اللجوء إلى أسماء سبق لها العمل داخل النادي، وتدرك طبيعة الضغوط اليومية في «البرنابيو».
طرح اسم مورينيو في هذا التوقيت أيضاً يرتبط بما قدمه أخيراً مع بنفيكا من نتائج طيبة، خاصة خلال مواجهاته أمام ريال مدريد في دوري أبطال أوروبا، حيث نجح فريقه في التفوق بدنياً وخططياً، واستغل الثغرات الدفاعية في الريال، ما ساعد على فكرة طرح اسمه داخل دوائر القرار في النادي الإسباني.
واقعة العنصرية التي تعرض لها نجم الريال فينيسيوس جونيور خلال مواجهة بنفيكا في دوري الأبطال أضافت بعداً آخر للصورة، عندما دخل مورينيو في جدل عقب تعرض «فيني» لإساءة عنصرية، إذ أشار المدرب البرتغالي إلى أن اللاعب البرازيلي أسهم في تصعيد الموقف، خاصة مع استمرار تعرضه لمثل هذه الحوادث في الملاعب الإسبانية، وهو ما أكد أن شخصية مورينيو لا تزال تحمل الحدة نفسها التي غلبت على مسيرته.
بقراءة طبيعة المرحلة التي يمر بها الريال حالياً، لا يتعلق الأمر باختيار مدرب جديد فحسب، بل بتحديد شكل الفريق في السنوات المقبلة، في ظل توازنات معقدة داخل تشكيلة الفريق تحتاج إلى إعادة ضبط الخطوط، وبيئة لا تمنح المدرب مساحة كبيرة للخطأ، وهو ما يجعل الخبرة السابقة عاملاً مؤثراً في القرار.