لم تعد خريطة المنافسة في الدوري الإنجليزي الممتاز كما كانت في السابق، بعدما بدأت الهيمنة التقليدية لما يعرف بـ«الستة الكبار» تتراجع تدريجياً، في ظل صعود أندية جديدة إلى دائرة المنافسة، وتراجع نتائج بعض عمالقة المسابقة، لتصبح المراكز المتقدمة أكثر انفتاحاً على مفاجآت لم تكن مألوفة في السنوات الماضية.

ولسنوات طويلة، شكلت أندية أرسنال وتشيلسي وليفربول ومانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وتوتنهام هوتسبير، المجموعة الأكثر نفوذاً في البطولة، بفضل جماهيريتها الواسعة، وقوتها المالية، وقدرتها المتكررة على احتلال المراكز الأولى والمنافسة على الألقاب، ولكن التطورات الأخيرة كشفت عن اتساع دائرة المنافسة، مع بروز أندية مثل أستون فيلا ونيوكاسل وبرايتون وبرينتفورد، التي باتت قادرة على مزاحمة الكبار وانتزاع مواقع متقدمة منهم.

ورأت شبكة «بي بي سي»، إنه رغم استمرار الأندية الستة في التربع على مكانة مالية بارزة، إذ توجد جميعها في قائمة أفضل 10 أندية كرة قدم في العالم من حيث الإيرادات، فإن حضورها في المراكز الأولى لم يعد مضموناً، بعدما واجه بعضها تراجعاً في النتائج، فيما استفادت أندية أخرى من الاستثمارات المالية والتخطيط طويل الأمد والتوظيف الذكي للمواهب.

حدث استثنائي

يظل تتويج ليستر سيتي بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز موسم 2015-2016 واحداً من أكثر الأحداث استثنائية في تاريخ المسابقة، بعدما قلب التوقعات وانتزع البطولة من بين أيدي الأندية المرشحة، في إنجاز بدا وقتها أقرب إلى الحكايات الخيالية.

ومع ذلك، عادت الأندية الستة الكبرى إلى فرض حضورها على المراكز الأولى خلال المواسم الثلاثة التالية، بل اتسعت الفجوة بينها وبين بقية المنافسين، إذ بلغ أقل فارق بين صاحبي المركزين السادس والسابع ثماني نقاط خلال تلك الفترة.

وخلال المواسم الممتدة من 2010-2011 إلى 2018-2019، احتكرت الأندية الستة المراكز الستة الأولى خمس مرات، واحتلت المراكز السبعة الأولى مرتين، بينما سيطرت على المراكز الثمانية الأولى في موسم واحد، وهو ما عكس حجم الفجوة بينها وبين بقية أندية البطولة آنذاك.

ولكن المشهد تغير في السنوات التالية، بعدما نجحت أندية أخرى في اقتحام المراكز المتقدمة، وأصبحت المنافسة على المقاعد الأوروبية أكثر تعقيداً، بدلاً من أن تظل محصورة في الأسماء التقليدية.

وخلال المواسم الستة التي أعقبت تلك الفترة، نجحت الأندية الستة مجتمعة في إنهاء موسم واحد فقط داخل المراكز الستة الأولى، بينما شغلت أندية أستون فيلا ونيوكاسل وبرايتون هذه المراكز في مراحل مختلفة.

وتشير الأرقام إلى حجم التحول، إذ ذهبت خمسة من المراكز الستة الأولى إلى أندية خارج المجموعة التقليدية خلال المواسم الثلاثة الأخيرة، وهو العدد نفسه الذي تحقق خلال السنوات الثماني السابقة مجتمعة.

توتنهام ويونايتد

يبدو توتنهام من أكثر الأندية التي تعكس حجم التغيير في ميزان القوى، بعدما أنهى الموسمين الماضيين بعيداً عن المراكز الستة الأولى، بل اقترب من منطقة الهبوط، في تراجع حاد لفريق اعتاد الوجود ضمن دائرة المنافسة الأوروبية.

ووفقاً للأرقام الواردة في التقرير، أنهى توتنهام موسمين متتاليين في المركز السابع عشر، كما يحتل المركز قبل الأخير في الموسم الحالي برصيد ثلاث نقاط، بعد فشله في الفوز بأي من مبارياته الست الأولى، في بداية تضع النادي أمام تحديات كبيرة لاستعادة توازنه.

ولم يكن مانشستر يونايتد أفضل حالاً، بعدما عانى من تراجع النتائج منذ اعتزال مدربه التاريخي السير أليكس فيرغسون عام 2013، وفشل في استعادة الاستقرار الفني الذي ميز حقبته الذهبية.

وفي الموسم الحالي، يحتل مانشستر يونايتد المركز الثالث عشر، بينما يقبع ليفربول في المركز التاسع، في مؤشرات جديدة على أن الاسم الكبير والتاريخ العريق لا يضمنان وحدهما البقاء في مقدمة الترتيب.

ومنذ موسم 2021-2022، خرج تشيلسي ومانشستر يونايتد من المراكز الستة الأولى مرتين لكل منهما، بينما غاب توتنهام عن هذه المراكز ثلاث مرات، وهو ما يؤكد أن التراجع لم يعد حالة استثنائية مرتبطة بنادٍ واحد، بل أصبح جزءاً من تحولات أوسع تشهدها المسابقة.

نيوكاسل وبرايتون

كان اتساع الفجوة المالية بين الأندية أحد أبرز العوامل التي حافظت على تفوق المجموعة التقليدية لسنوات، لكن دخول مستثمرين جدد وتطور أساليب الإدارة والتعاقدات منحا منافسين آخرين القدرة على تقليص الفارق.

ويأتي نيوكاسل يونايتد في مقدمة الأمثلة على تأثير الاستثمار، بعدما استحوذ عليه تحالف بقيادة صندوق الاستثمارات العامة السعودي عام 2021، في صفقة بلغت قيمتها 305 ملايين جنيه استرليني.

وسرعان ما انعكس التحول في ملكية النادي على نتائجه، إذ انتقل من المركز الحادي عشر في موسم 2021-2022 إلى المركز الرابع في الموسم التالي، ثم أنهى موسم 2024-2025 في المركز الخامس، ليؤكد قدرته على منافسة الأندية الأكثر رسوخاً في القمة.

ولكن النجاح لا يعتمد دائماً على ضخ الأموال وحده، إذ يقدم برايتون نموذجاً مختلفاً يقوم على اكتشاف المواهب مبكراً، والاستفادة من البيانات والتحليل في اختيار اللاعبين، ثم تطويرهم وبيعهم لاحقاً مقابل مبالغ كبيرة.

ومن أبرز صفقات النادي التعاقد مع لاعب الوسط الإكوادوري مويسيس كايسيدو عام 2021، عندما كان يبلغ 19 عاماً، مقابل أربعة ملايين جنيه استرليني، قبل بيعه إلى تشيلسي بعد عامين في صفقة بلغت قيمتها 115 مليون جنيه استرليني، وكانت رقماً قياسياً بريطانياً آنذاك.

كما تعاقد برايتون مع مارك كوكوريلا مقابل 15 مليون جنيه استرليني، قبل بيعه إلى تشيلسي مقابل 62 مليوناً، وضم أليكسيس ماك أليستر مقابل سبعة ملايين جنيه استرليني، ثم انتقل اللاعب إلى ليفربول في صفقة بلغت قيمتها 55 مليوناً.

وتعكس هذه الصفقات قدرة النادي على تحويل التعاقدات المدروسة إلى مصدر قوة رياضية ومالية، بما يسمح له بتجديد تشكيلته والاستمرار في المنافسة، حتى مع رحيل أبرز نجومه.

وقال المدير الرياضي لبرايتون، مايك كيف، في تصريحات لبودكاست «فوتبول ديلي» على إذاعة «بي بي سي راديو 5 لايف»: إن النادي بنى استراتيجية التعاقدات وفلسفته على مدى فترة طويلة، موضحاً أن استخدام البيانات حظي باهتمام واسع، بعدما كان يمثل توجهاً جديداً مقارنة بما كانت تعتمده أندية أخرى قبل سنوات.

وأضاف أن البيانات ليست سوى جزء من عملية متكاملة، لكنها تساعد النادي على تحديد المواهب في مختلف أنحاء العالم بكفاءة، وتمنحه القدرة على التحرك بسرعة في سوق انتقالات شديدة التنافسية.

فاتورة باهظة

إلى جانب الصعود المالي والفني للمنافسين، دفعت الأندية التقليدية ثمن عدم الاستقرار الإداري والفني، بعدما لجأ بعضها إلى تغيير المدربين بصورة متكررة، بحثاً عن صيغة تعيدها إلى منصات التتويج.

ويعد مانشستر يونايتد أبرز الأمثلة على ذلك، إذ تعاقب عليه عدد من المدربين منذ رحيل فيرغسون، في محاولة لاستعادة أمجاد الماضي، من دون أن ينجح النادي في بناء مشروع مستقر يعيد إليه الهيمنة المحلية والأوروبية.

ومنذ بداية موسم 2020-2021، تولى أربعة مدربين دائمين قيادة الفريق، بينما شهد تشيلسي خلال الفترة نفسها سبعة مدربين مختلفين بصورة دائمة، مقابل ستة مدربين لتوتنهام، في انعكاس لحجم الاضطرابات التي عاشتها هذه الأندية.

وفي المقابل، قدم أرسنال مثالاً على أهمية الصبر والاستمرارية، بعدما منح مدربه ميكيل أرتيتا الوقت لبناء فريقه منذ تعيينه عام 2019، ليؤتي المشروع ثماره من خلال العودة إلى المنافسة على الألقاب وإنهاء انتظار النادي الطويل للتتويج بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي امتد 22 عاماً.

وتؤكد المقارنة أن النجاح لا يرتبط فقط بحجم الميزانية أو قيمة اللاعبين، بل يتطلب أيضاً رؤية واضحة، واستقراراً في القرارات، وقدرة على بناء فريق متكامل على المدى الطويل.

تطور المنافسة

لم تكن تسمية «الستة الكبار» جزءاً ثابتاً من هوية الدوري الإنجليزي الممتاز منذ انطلاقه عام 1992، بل جاءت نتيجة تطورات متعاقبة في موازين القوى.

وفي بداية عهد المسابقة، كان الحديث يدور عن «الخمسة الكبار»، وهم أرسنال وإيفرتون وليفربول ومانشستر يونايتد وتوتنهام، بوصفهم من أكثر الأندية شعبية وقوة مالية.

وفي أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، اتجهت المنافسة نحو ثنائية مانشستر يونايتد وأرسنال، قبل أن يتسع نطاقها مع صعود تشيلسي وليفربول إلى دائرة المنافسة المنتظمة على المراكز الأربعة الأولى، لتظهر لاحقاً فكرة «الأربعة الكبار».

ومع تطور مانشستر سيتي وصعوده إلى مصاف المنافسين على اللقب، إلى جانب استمرار حضور توتنهام، تبلورت المجموعة المعروفة باسم «الستة الكبار».

وكان موسم 2010-2011 أول موسم في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز تنحصر فيه المراكز الستة الأولى بين أرسنال وتشيلسي وليفربول ومانشستر سيتي ومانشستر يونايتد وتوتنهام، وتكرر المشهد في مواسم 2014-2015 و2016-2017 و2017-2018 و2018-2019، ما رسخ هذه التسمية في الوعي الجماهيري والإعلامي.

ولكن تاريخ كرة القدم الإنجليزية يثبت أن موازين القوى ليست ثابتة، وأن البطولة شهدت في فترات سابقة تنوعاً أكبر في الأبطال، إذ توجت أندية مثل بيرنلي وتوتنهام وإيبسويتش وإيفرتون وليفربول ومانشستر يونايتد ومانشستر سيتي وليدز بلقب الدوري خلال حقب مختلفة.

قمة مفتوحة

لا يعني تراجع الأندية الستة أن قدرتها على الفوز باللقب انتهت، فهي لا تزال تمتلك الموارد المالية والجماهيرية والخبرات التي تجعلها مرشحة للمنافسة في كل موسم، ولكن المؤشرات توحي بأن احتكارها المراكز الأولى لم يعد أمراً يمكن اعتباره مسلّماً به.

ووجود برايتون وبرينتفورد وإيفرتون ضمن المراكز الستة الأولى في الموسم الحالي، وفقاً للتقرير، يعكس اتساع دائرة المنافسة، ويمنح الأندية الأخرى دافعاً أكبر للاستثمار في التطوير الفني والتخطيط طويل الأمد، بدلاً من الاكتفاء بدور المنافس على البقاء.

كما أن استمرار الأندية التقليدية في صدارة قوائم الإيرادات العالمية يطرح سؤالاً مهماً.. هل تكفي القوة المالية وحدها لضمان التفوق داخل الملعب؟ أم أن نجاح المنافسين في استغلال الموارد المتاحة، واختيار اللاعبين والمدربين، وبناء مشروعات مستقرة، بات قادراً على تغيير المعادلة؟

وبينما لا تزال الطريق طويلة قبل الجزم بنهاية عصر «الستة الكبار»، فإن مرور أربعة مواسم من دون أن تنهي الأندية الستة جميعها الدوري داخل المراكز الستة الأولى يمثل مؤشراً واضحاً على أن المنافسة أصبحت أكثر انفتاحاً.

وقد لا تختفي تسمية «الستة الكبار» قريباً، لكنها لم تعد تعني بالضرورة أن هذه الأندية وحدها قادرة على احتلال قمة الدوري. وفي بطولة اعتادت المفاجآت، قد يكون اتساع دائرة المنافسة هو التطور الأهم، وربما الأكثر فائدة لجماهير كرة القدم الإنجليزية.