تحولت الخسارة التاريخية، التي تلقاها المنتخب الكرواتي أمام إنجلترا بسبعة أهداف نظيفة إلى ما يشبه «الزلزال الكروي» في الشارع الرياضي الكرواتي، بعدما وجد الإعلام والجماهير أنفسهم أمام مشهد لم يكن يعتادون رؤية منتخب كان حتى وقت قريب أحد أبرز القوى في كرة القدم العالمية.
ولم تتوقف الصدمة عند حجم الهزيمة، التي وصفت بأنها الأقسى في تاريخ المنتخب الكرواتي، منذ استقلال البلاد، بعدما تجاوزت الخسارة السابقة أمام إسبانيا بنتيجة 0-6 عام 2018، بل امتدت إلى إعادة فتح ملف رحيل المدرب، زلاتكو داليتش، لتدريب منتخب الإمارات، إذ أصبح اسمه حاضراً بقوة في أعقاب الانهيار أمام الإنجليز.
ورغم أن زلاتكو كان قد غادر منصبه في يوليو 2026، عقب نهاية مشوار كرواتيا في كأس العالم، فإن سباعية إنجلترا أعادت إلى الواجهة مقارنات مؤلمة بين مرحلة المدرب السابق، وما يعيشه المنتخب حالياً تحت قيادة المدرب، سلافن بيليتش، الذي تولى المهمة بعد رحيل صاحب الإنجازات التاريخية.
وتساءلت وسائل إعلام كرواتية بصوت مرتفع عما إذا كانت كرواتيا قد دفعت ثمن التخلي عن الاستقرار الذي صنعه داليتش، بعدما قاد المنتخب لمدة تسع سنوات، نجح خلالها في قيادة جيل لوكا مودريتش ورفاقه إلى إنجازات استثنائية، أبرزها وصافة كأس العالم 2018، ثم المركز الثالث في مونديال 2022.
وجاءت الانتقادات الموجهة إلى بيليتش قاسية، إذ وصفت صحيفة «فيتشيرني ليست» المباراة بأنها «أسوأ مباراة لمنتخب كرواتيا على الإطلاق»، فيما ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما أشارت إلى أن المنتخب، في غياب القيادة التي كان يوفرها زلاتكو، بدا وكأنه بلا مدرب.
أما صحيفة «سبورتسكي نوفوستي» فأعادت إلى الأذهان الأصوات التي كانت تنتقد زلاتكو وتضغط من أجل رحيله، متسائلة بسخرية ومرارة: «أين هم الآن أولئك الذين كانوا شوكة في خاصرة زلاتكو؟»، في إشارة إلى الأصوات التي حملت المدرب السابق مسؤولية بعض النتائج المتراجعة، وطالبت بتغيير القيادة الفنية.
وفي السياق ذاته تحدثت وسائل إعلام رياضية كرواتية عن إهانة غير مسبوقة وانهيار تكتيكي كامل، بعدما عجز المنتخب عن مجاراة إنجلترا، وانهارت خطوطه الدفاعية بصورة فتحت الطريق أمام مهرجان أهداف قاده نجوم المنتخب الإنجليزي.
ولم يكن القائد لوكا مودريتش بحاجة إلى كثير من الكلمات لوصف حجم الكارثة، بعدما عبر عن صدمته ومرارته عقب المباراة، مؤكداً أن ما حدث كان مختلفاً عن أي شيء عاشه خلال مسيرته الدولية الطويلة.
وقال مودريتش، في تصريحات تناقلتها وسائل الإعلام: «أشعر بالخجل»، مشيراً إلى أن هذه هي المرة الأولى خلال نحو 20 عاماً مع المنتخب، التي تنتابه فيها مثل هذه المشاعر، واصفاً الليلة بأنها «كارثية»، بعدما رأى فيها ضربة قاسية لسمعة المنتخب، التي بنيت على مدار سنوات.
ولم تعد سباعية إنجلترا مجرد خسارة ثقيلة في دوري الأمم الأوروبية، وإنما تحولت إلى مرآة عكست الفارق بين حقبتين؛ حقبة زلاتكو، التي شهدت صعود كرواتيا إلى مصاف كبار العالم، ومرحلة جديدة بدأت مبكراً في مواجهة أسئلة صعبة عن هوية المنتخب ومستقبله وقدرته على استعادة الشخصية، التي ميزت جيله الذهبي.
وفي الوقت الذي تعيش فيه كرواتيا واحدة من أكثر لياليها قسوة وجد اسم زلاتكو نفسه حاضراً رغم غيابه، بعدما انتقل المدرب المخضرم إلى قيادة منتخب الإمارات، وتأهل معه إلى نهائي «خليجي 27»، في أول مهمة رسمية له مع «الأبيض» تاركاً خلفه إرثاً ثقيلاً من الإنجازات في بلاده.
ويبدو أن قيمة زلاتكو ازدادت في عيون الكروات كلما اتسعت دائرة الانهيار، فالخسارة بسبعة أهداف لم تكن مجرد رقم قاسٍ على لوحة النتائج، بل فتحت جرحاً أعمق، وطرحت تساؤلات مهمة: ماذا خسر المنتخب الكرواتي برحيل زلاتكو؟ وهل كان الاستقرار الذي صنعه خلال تسع سنوات هو العنصر الخفي وراء بقاء كرواتيا بين كبار اللعبة؟ أسئلة فرضتها «ليلة السباعية» بقوة، وربما تحتاج كرواتيا إلى وقت طويل قبل أن تجد إجاباتها.