لم يعد سوق انتقالات كرة القدم في إنجلترا مقتصراً على النجوم والمحترفين، بعدما أصبح اللاعبون في سن الدراسة جزءاً متزايد الأهمية من حركة الانتقالات بين الأندية، في ظاهرة تعكس التحولات الاقتصادية والفنية في اكتشاف المواهب وتطويرها.

وتبرز قصة مهاجم مانشستر يونايتد الشاب جي جي غابرييل، البالغ 15 عاماً، باعتبارها أحدث الأمثلة على حجم الاهتمام بالمواهب الصغيرة، بعدما أبلغ النادي رغبته في الرحيل والانضمام إلى فريق آخر، فيما ذكرت تقارير أنه تغيب عن التدريبات وبدأ التواصل مع أندية أخرى، وسط عدم رضا اللاعب ووكيله عن طريقة تعامل النادي مع تطوره.

وترى «بي بي سي» أن القضية تكشف واقعاً جديداً في الكرة الإنجليزية، إذ لم يعد اللاعب الشاب مجرد مشروع رياضي بعيد المدى، بل أصبح أصلاً ذا قيمة مالية، في ظل اشتداد المنافسة على اكتشاف المواهب في سن مبكرة.

ويصف ريان كاردويل، الكشاف السابق في أكاديميتي ليفربول وساوثهامبتون، الوضع بأنه «جنوني»، متسائلاً عن أسباب تحول لاعبين في عمر 15 و16 عاماً إلى محور اهتمام إعلامي واسع، رغم وجودهم في مرحلة يفترض أن تجمع بين التعليم والنمو الشخصي والتطور الرياضي.

وخلال الصيف الحالي، تعاقدت الأندية الستة الأغنى في الدوري الإنجليزي الممتاز مع مواهب من أكاديميات منافسة، أو خسرت لاعبين لصالح منافسين مباشرين، فيما ينظر إلى انتقال ريو نغوموها من تشيلسي إلى ليفربول عام 2024، وهو في الـ15، كأحد أبرز أمثلة المنافسة الجديدة. ويبلغ نغوموها الآن 18 عاماً، واستدعي إلى المنتخب الإنجليزي الأول، وشارك في 22 مباراة بالدوري الممتاز مع ليفربول.

وساهم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في إعادة تشكيل السوق، إذ لم تعد الأندية الإنجليزية قادرة على ضم اللاعبين الأجانب قبل بلوغهم 18 عاماً، بعدما كان بإمكانها التعاقد مع لاعبي أكاديميات من دول الاتحاد الأوروبي ممن تجاوزوا 16 عاماً، ودفع ذلك الأندية إلى تكثيف المنافسة محلياً، بعدما كان الكشافون يتوجهون إلى بلجيكا وهولندا ودول أوروبية أخرى.

كما ارتفعت القيمة الاقتصادية للمواهب الصغيرة، خصوصاً مع قواعد نسبة تكلفة الفريق في الدوري الإنجليزي الممتاز، وإمكانية تحول أي بيع مستقبلي للاعب إلى ربح صافٍ للنادي، وأسهمت تكنولوجيا الفيديو وتحليل البيانات في توسيع دائرة اللاعبين الذين يمكن اكتشافهم ومتابعتهم وتقييمهم باستمرار.

وتسمح اللوائح للاعبين بمغادرة أكاديمياتهم في مراحل تحت 12 و14 و16 عاماً، كما يمكن تقديم منح دراسية مدفوعة بداية من الموسم الذي يبلغ فيه اللاعب 14 عاماً، وتوقيع عقود احترافية ابتداءً من سن 16 عاماً، وقد تصل رسوم التعويض عند انتقال لاعب من أكاديمية منافسة إلى ملايين الجنيهات وفق عمره ومدة تدريبه.

وأثارت هذه السوق المتنامية نقاشاً حول دور الوكلاء والعائلات، ويؤكد فيل جاغيلكا، والد اللاعب زاك الذي انتقل من أكاديمية ليفربول إلى هال سيتي، أن العائلات تبحث عن الأفضل لأبنائها، لكن مستقبل اللاعب يظل غير مضمون، إذ قد يتراجع الاهتمام به إذا توقف تطوره أو تعرض لإصابة.

ويحذر كاردويل من أن بعض الوكلاء قد يدفعون اللاعبين إلى الانتقال قبل أن يكونوا جاهزين، داعياً إلى دراسة وضع حد للرواتب في هذه السن، بعدما يحصل بعض الشباب على عشرات الآلاف من الجنيهات أسبوعياً، قبل أن تتراجع دخولهم بشدة إذا لم يصلوا إلى مستوى النخبة.

وتغيرت كذلك بيئة الأكاديميات، فبدلاً من المهام البسيطة التي كان يؤديها اللاعبون سابقاً لتعلم الانضباط، أصبحت المواهب محاطة بالوكلاء والمستثمرين ووسائل التواصل الاجتماعي منذ سن مبكرة.

وهكذا، تحولت المواهب المدرسية إلى سوق حقيقية داخل كرة القدم الإنجليزية، تتنافس فيها الأندية على اكتشاف اللاعب قبل منافسيها، بينما يواجه المراهقون ضغوطاً مالية وإعلامية متزايدة، في وقت تظل فيه مسيرتهم الاحترافية غير مضمونة.