صعدت أربعة من كبرى دوريات كرة القدم الأوروبية لهجتها تجاه الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، مطالبة بإصلاح جذري لنظام الحوكمة داخل المؤسسة الدولية، والحد من تركز السلطات، وضمان حماية القرارات الرياضية من التدخلات السياسية.

وأصدرت رابطة الدوري الإسباني (لاليغا) والدوري الإنجليزي الممتاز (بريميرليغ) والدوري الألماني (بوندسليغا) والدوري الإيطالي (سيريا آ) بياناً مشتركاً، دعت فيه إلى منح الأطراف المتأثرة بقرارات فيفا دوراً حقيقياً في صناعة القرار، واعتماد القرارات على بيانات موضوعية، والفصل بصورة واضحة بين الوظيفة التنظيمية للاتحاد الدولي ومصالحه التجارية.

وقالت الدوريات الأربعة إن كرة القدم «تحتاج إلى فيفا كمؤسسة قوية»، لكنها شددت على أن هذه القوة يجب أن تقترن بالمساءلة، معتبرة أن سلطة الاتحاد الدولي لا يمكن أن تستمد مشروعيتها إلا من تقاسم المسؤوليات وقبول الرقابة وكسب الثقة.

انتقادات مباشرة للحوكمة

ورأت الدوريات أن الأسس التاريخية لكرة القدم تعرضت خلال السنوات الأخيرة لتهديد نتيجة ما وصفته بـ«مشكلة جوهرية في الحوكمة»، واتهمت رئيس فيفا بالترويج لمبادرات اعتبرتها «مسيئة» بدلاً من حماية اللعبة منها.

وأشارت إلى أن الأطراف الفاعلة في كرة القدم نجحت في نهاية المطاف في دفع فيفا إلى سحب مشروع «FIFA Forward Enterprise» (FFE)، لكنها اعتبرت أن الظروف التي سمحت بظهور المشروع لا تزال قائمة.

وأضاف البيان أن إقرار رئيس فيفا بالحاجة إلى الإصلاح «لا يكفي»، مؤكداً أن المطلوب يتجاوز إدخال تعديلات إجرائية محدودة إلى «إصلاح عميق للحوكمة» يعيد وضع حدود دستورية واضحة داخل الاتحاد الدولي، ويضمن خصوصاً حماية القضايا التأديبية الفردية من أي تدخل سياسي.

إساءة استخدام السلطة

وذهبت الدوريات الأربعة أبعد من ذلك، معتبرة أن أزمة الحوكمة «تتجاوز بكثير دور شخص واحد»، وأن المسألة الأساسية تتمثل في مدى ملاءمة تركيز السلطات التنظيمية والتجارية والسياسية في منصب رئيس فيفا من دون وجود ضوابط فعالة.

وجاء في البيان: «قبل أكثر من عقد، وفي أعقاب الإجراءات الجنائية التي طالت مسؤولين كباراً في كرة القدم، حاولت عملية الإصلاح داخل فيفا نفسها معالجة هذه المسائل. لكن كرة القدم عانت مرة أخرى أحد أكبر إساءات استخدام السلطة في تاريخ فيفا».

وتطالب الدوريات، في هذا السياق، بإعادة النظر في آليات صنع القرار داخل الاتحاد الدولي ومنح الاتحادات الوطنية والدوريات والأندية واللاعبين مساحة أكبر للمشاركة، بدلاً من حصر دورها في المشاورات.

خلاف متجدد

وشكلت روزنامة المباريات الدولية أحد المحاور الرئيسية في بيان الدوريات الأربعة، التي انتقدت اتخاذ فيفا قرارات واسعة التأثير بصورة أحادية، ولا سيما توسيع الروزنامة الدولية وتمديد الفترات التي تتوقف خلالها المسابقات المحلية.

وأشارت إلى أن نحو واحد في المئة فقط من لاعبي كرة القدم المحترفين في العالم يشاركون في كأس العالم، بينما تتوقف مسابقات محلية تضم بقية اللاعبين والأندية خلال فترات البطولة.

واعتبرت أن الأطراف الأكثر تأثراً بقرارات الروزنامة لا تشارك بصورة فعالة في اتخاذها، محذرة من انعكاسات ذلك على الاستدامة الاقتصادية والاجتماعية للمسابقات الوطنية.

وكانت روابط الدوريات قد تقدمت في أكتوبر 2024 بشكوى إلى المفوضية الأوروبية تتعلق بروزنامة المباريات الدولية، معتبرة أن إطار الحوكمة الحالي يسمح لفيفا باستخدام سلطته التنظيمية بما يخدم أهدافه التجارية من دون مراعاة كافية لتأثير القرارات في البطولات المحلية.

ثلاثة مطالب للإصلاح

وحددت الدوريات الأربعة ثلاثة محاور رئيسية ترى أنها يجب أن تشكل أساساً لنظام جديد للحوكمة داخل فيفا.

ويتمثل الأول في إنشاء هيئة دائمة تضم ممثلين عن الأطراف الرئيسية في كرة القدم، بما في ذلك الاتحادات الوطنية والدوريات والأندية واللاعبون في كرة القدم للرجال والسيدات، على أن تحصل هذه الهيئة على المعلومات الكاملة بشأن المبادرات الجديدة وتؤدي دوراً فعلياً في صناعة القرار.

أما المحور الثاني، فيتعلق بضرورة استناد أي مقترح رئيسي يقدمه فيفا إلى مبررات واضحة وبيانات داعمة وتقييم مستقل ينشر قبل اتخاذ القرار، مع دراسة تأثيره في اللاعبين والأندية والدوريات والجماهير وتطوير كرة القدم عموماً.

ويتمثل المحور الثالث في الفصل بين دور فيفا كجهة تنظيمية وضامنة للعبة وبين نشاطه التجاري بوصفه منظماً للمسابقات العالمية.

وطالبت الدوريات بوضع ضمانات مؤسسية قوية، خصوصاً بالنسبة إلى الهيئات المسؤولة عن الأخلاقيات والرقابة المالية والعمليات الانتخابية، بحيث تتمتع بتعيينات وميزانيات وصلاحيات مستقلة فعلياً عن إدارة فيفا ورئاسته.

الانتخابات المقبلة تحت المجهر

كما وجهت الدوريات الأربعة رسالتها إلى المرشحين لرئاسة فيفا، داعية إياهم إلى تبني مبادئ الإصلاح والدعوة، خلال أول 100 يوم من الولاية الرئاسية المقبلة، إلى عقد مؤتمر خاص بالحوكمة برئاسة شخصية مستقلة وبمشاركة الاتحادات الأعضاء ومختلف مكونات مجتمع كرة القدم.

وطالبت بأن يقدم كل مرشح برنامجه الخاص للإصلاح، وأن تجرى العملية الانتخابية وفق قواعد عادلة، مع التزام موارد فيفا المالية والقانونية والإعلامية والتسويقية، وكذلك أموال تطوير كرة القدم، الحياد الصارم وعدم استخدامها لمنح أي مرشح أفضلية انتخابية.

ووجه البيان دعوة إلى الاتحادات القارية والوطنية والدوريات والأندية ونقابات اللاعبين وروابط المشجعين والسلطات العامة حول العالم للانضمام إلى المبادرة ودعم مبادئها.

وختمت الدوريات الأربعة بيانها برسالة تؤكد أن القضية تتجاوز هوية الرئيس القادم للاتحاد الدولي، قائلة: «هذه هي اللحظة التي يجب فيها أن نقرر ليس فقط من سيدير فيفا، بل أيضاً كيف يجب أن يُدار».

وترى الدوريات أن فيفا يحتاج إلى أن يبقى مؤسسة قوية قادرة على إدارة كرة القدم العالمية، لكنها تشدد في المقابل على أن القوة المؤسسية يجب أن تكون مصحوبة بالمساءلة والشفافية وتقاسم المسؤولية وقبول الرقابة، باعتبارها ركائز أساسية لكسب ثقة مكونات اللعبة.