لم تعد كرة القدم في القرن الحادي والعشرين ملعباً مغلقاً على الرجال، بعدما نجحت المرأة في اقتحام أكثر المواقع نفوذاً داخل اللعبة، وانتقلت من مقاعد المتابعة إلى مراكز صناعة القرار، ومن الإدارة إلى الاستثمار وامتلاك الأندية وقيادة المؤسسات الرياضية الكبرى.

ومع تطور منظومة الاحتراف واتساع صناعة كرة القدم، برزت أسماء نسائية فرضت حضورها بقوة، وأثبتت أن الكفاءة الإدارية والفنية لا ترتبط بجنس، وأن المرأة قادرة على إدارة أكثر الملفات تعقيداً في اللعبة، وصناعة القرارات التي ترسم مستقبلها.

ورغم مقاومة البعض لهذا التحول، واصلت المرأة تقدمها بخطوات ثابتة، لتتحول من مجرد عنصر مشارك إلى قوة مؤثرة في كرة القدم العالمية، وتصبح شريكاً أساسياً في صناعة القرار والاستثمار وتطوير اللعبة.

حاجز الـ112 عاماً

تأتي السنغالية فاطمة سمورة، في مقدمة أبرز القيادات النسائية التي تركت بصمة استثنائية في كرة القدم العالمية، بعدما تولت منصب الأمينة العامة للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عام 2016، واستمرت في منصبها لمدة 7 سنوات.

وكانت سمورة أول امرأة تدخل «فيفا» وتشغل منصباً بهذه الأهمية، بعد 112 عاماً من هيمنة الرجال على المناصب القيادية في الاتحاد الدولي، عندما خلفت الأمين العام السابق لـ«فيفا» جيروم فالكه، الممنوع من ممارسة أي أنشطة ذات صلة برياضة كرة القدم لمدة 12 عاماً.

ولم تأتِ سمورة إلى عالم كرة القدم من فراغ، فهي تحمل درجتي ماجستير في العلاقات الدولية والتجارة، وتتحدث الإسبانية والإنجليزية والإيطالية والفرنسية، كما أمضت 21 عاماً في العمل مع الأمم المتحدة، ونجحت خلال مسيرتها في إطلاق برامج إنسانية عدة.

وخلال وجودها في «فيفا»، لعبت دوراً بارزاً في تعزيز حضور النساء داخل أروقة الاتحاد الدولي، لترتفع نسبة تمثيلهن بين الموظفين إلى نحو 50%، بعدما كانت 32%، كما أشرفت على تنظيم بطولات كبرى، من بينها كأس العالم 2018 في روسيا.

ولم يتوقف نفوذها عند حدود «فيفا»، إذ صنفتها وسائل إعلام عالمية، من بينها مجلة «فوربس»، مراراً ضمن قائمة أقوى النساء في عالم الرياضة، وفي عام 2019، تولت مؤقتاً منصب المفوضة العامة لـ«فيفا» في أفريقيا، بهدف الإشراف على تطوير وحوكمة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم.

وبعد 7 سنوات حافلة بالعطاء، أعلنت سمورة مغادرة منصبها رسمياً في أواخر 2023، عقب انتهاء كأس العالم للسيدات في أستراليا ونيوزيلندا، وخلفها السويدي ماتياس غرافستروم، قبل أن تتجه إلى العمل الإنساني والاجتماعي.

«السيدة الأولى»

من أفريقيا أيضاً، لمع اسم البوروندية ليديا نسيكيرا، التي لعبت دوراً محورياً في تطوير كرة القدم الأفريقية والعالمية، بعدما أصبحت أول امرأة تنضم إلى اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم، كما سبق لها عضوية مجلس «فيفا».

وولدت نسيكيرا في 20 أبريل 1967، وهي مسؤولة رياضية بوروندية وعضو في اللجنة الأولمبية الدولية منذ عام 2009، وتولت رئاسة اتحاد كرة القدم في بوروندي بين عامي 2004 و2013.

وفي عام 2012، دخلت التاريخ بعدما أصبحت أول امرأة تنضم إلى مجلس «فيفا»، حيث تولت عضويته لمدة عام واحد، قبل أن تنتخب في 2013 لفترة ولاية كاملة مدتها أربع سنوات، لتكون أول امرأة تحقق هذا الإنجاز.

واستمرت في مجلس «فيفا» حتى عام 2021، عندما خسرت محاولتها لتمثيل أفريقيا للمرة الثالثة، بعدما تفوقت عليها خليفتها إيشا يوهانسن خلال الجمعية العمومية للاتحاد الأفريقي لكرة القدم في 12 مارس 2021.

وتشغل نسيكيرا منصب رئيس اللجنة الأولمبية في بوروندي، وترشحت مرتين لعضوية رابطة اللجان الأولمبية الوطنية الأفريقية، لكنها خسرت في المرتين أمام مصطفى براف، كما تشغل حالياً منصب رئيسة لجنة المرأة في الرياضة التابعة للجنة الأولمبية الدولية، إلى جانب عضويتها في لجنة التنسيق لأولمبياد لوس أنجلوس 2028.

«المرأة الحديدية»

أما الروسية المولد والإنجليزية الجنسية مارينا غرانوفسكايا، وصنعت اسماً مختلفاً في كرة القدم الأوروبية، بعدما تولت منصب المديرة التنفيذية لنادي تشيلسي الإنجليزي، وأصبحت واحدة من أكثر النساء نفوذاً في سوق الانتقالات وإدارة الأندية الأوروبية.

وخلال وجودها في تشيلسي، ارتبط اسمها بالعديد من الملفات الكبرى في سوق الانتقالات، حتى وصفت مراراً بأنها واحدة من أقوى النساء في عالم إدارة كرة القدم.

ولكن رحلتها مع النادي انتهت في يونيو 2022، عقب استحواذ تحالف تود بويلي على تشيلسي وإنهاء حقبة المالك السابق رومان أبراموفيتش.

ومنذ مغادرتها النادي، اختارت غرانوفسكايا الابتعاد تماماً عن الأضواء الرياضية، رغم ارتباط اسمها من وقت إلى آخر بشائعات حول إمكانية عودتها إلى مشاريع استثمارية جديدة برفقة أبراموفيتش، ومن بينها نادي سبارتاك موسكو، إلا أن هذه التقارير لم تتحول إلى واقع ملموس.

وفي الوقت الراهن، تركز غرانوفسكايا على حياتها الخاصة والسفر، وتشارك أحياناً صوراً من عطلاتها عبر حسابها الشخصي على «إنستغرام»، كما تظهر من وقت إلى آخر في مباريات أساطير تشيلسي أو اللقاءات الخيرية، ولكن من دون أي منصب رسمي.

من المبارزة إلى قمة «يويفا»

لم تكن فلورنس هاردوين لاعبة كرة قدم، لكنها نجحت في الوصول إلى أحد أعلى المناصب الإدارية في اللعبة الأوروبية، بعدما اقتحمت الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) في فبراير 2013، عقب مسيرة إدارية في الاتحاد الفرنسي لكرة القدم.

وبدأت هاردوين مسيرتها الرياضية في رياضة المبارزة، وحققت العديد من الألقاب الدولية بين عامي 1989 و1996، قبل أن تنتقل إلى الإدارة الرياضية، وانضمت إلى الاتحاد الفرنسي لكرة القدم مديراً للتسويق بين عامي 2008 و2013، ثم أصبحت نائبة للمدير العام في فبراير 2013.

وفي مايو 2016، دخلت التاريخ بعدما انتخبت عضواً في اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم، لتصبح أول امرأة تنتخب لهذا المنصب التنفيذي في «يويفا».

ولكن مسيرتها تعرضت لاحقاً لهزة قوية، ففي يناير 2023، قرر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم تعليق مهامها احترازياً وتأديبياً، على خلفية أزمات إدارية وتحقيقات شملت أيضاً رئيس الاتحاد السابق نويل لو غرايت.

وتعمل هاردوين حالياً مديرة عامة لمؤسسة «إيسي سبورت» الفرنسية، حيث تركز على تطوير المشاريع الرياضية وتحديث المنظمات التابعة للمؤسسة، مستفيدة من خبرتها الطويلة في الإدارة والتسويق الرياضي.

وبعد الأزمات الإدارية والاتهامات المتبادلة التي أعقبت إقالتها من الاتحاد الفرنسي، ابتعدت لفترة عن الساحة الرياضية، كما تعرضت لنوبة قلبية نقلت على إثرها إلى المستشفى نتيجة الضغوط التي رافقت تلك المرحلة.

وانتهى النزاع القضائي الطويل بينها وبين الاتحاد الفرنسي، والمتعلق بطريقة إقالتها، بتسوية مالية وتعويضات أغلقت ملف الخلاف إدارياً.

صوت عالمي للمساواة

من داخل الملعب إلى غرف صناعة القرار، سطرت الأسترالية مويا دود، واحدة من أبرز التجارب النسائية في كرة القدم.

وشاركت دود في أول بطولة كأس عالم للسيدات عام 1988، وارتدت قميص منتخب أستراليا لمدة تسع سنوات، قبل أن تعتزل وتكرس جهودها للدفاع عن كرة القدم النسائية ومنحها المساحة التي تستحقها.

ولم يتوقف طموحها عند حدود أستراليا، إذ شغلت عضوية اللجنة التنفيذية للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، كما كانت عضوة في مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم.

وانضمت دود إلى مجلس إدارة الاتحاد الأسترالي لكرة القدم عام 2007، ثم انتخبت في 2009 نائبة لرئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم.

وفي 2013، أصبحت عضوة في اللجنة التنفيذية لـ«فيفا»، قبل أن تقدم في أكتوبر 2015 مقترحاً لإصلاح منظومة الاتحاد الدولي يتعلق بالمساواة بين الجنسين، إلى رئيس لجنة إصلاح «فيفا» فرانسوا كارار.

وتركز مقترحها على زيادة مشاركة النساء في عمليات صنع القرار، وتعزيز الاستثمار في كرة القدم النسائية، وفي عام 2016، صادق «فيفا» على المقترح، وأضاف بنداً يلزم بوجود مقعد واحد على الأقل للنساء عن كل قارة.

ولكن دود خسرت مقعدها في مجلس «فيفا» عام 2017 لمصلحة ممثلة آسيا، بعدما تفوقت البنغلاديشية محفوظة أختر كيرون في التصويت بنتيجة 27 مقابل 17 صوتاً، وتعمل دود حالياً شريكة في شركة محاماة، بعدما حصدت خلال مسيرتها العديد من الجوائز والتكريمات.

وفي 2016، حصلت على جائزة المرأة الأكثر تأثيراً من الصحافة الأسترالية، بينما وضعتها مجلة «فوربس» عام 2018 في المركز السابع ضمن قائمة أقوى النساء في الرياضة الدولية.

وفي 2023، حصلت على وسام ضابط وسام أستراليا ضمن تكريمات عيد ميلاد الملك، تقديراً لخدماتها المتميزة لكرة القدم كلاعبة ومسؤولة على المستويين الوطني والدولي، ولدورها كنموذج يحتذى به للنساء، إلى جانب إسهاماتها في مجال القانون.

المرأة التي اشترت النفوذ

في السنوات الأخيرة، برز اسم الأمريكية ميشيل كانغ، باعتبارها واحدة من أقوى القيادات النسائية في كرة القدم، بعدما حولت الاستثمار في كرة القدم النسائية إلى مشروع رياضي واسع النطاق.

ومنذ عام 2020، كرست كانغ جهودها للترويج لكرة القدم النسائية والاستثمار فيها، قبل أن تصبح في 2022 المالكة الأكبر لنادي واشنطن سبيريت الذي ينافس في الدوري الأمريكي لكرة القدم للسيدات.

كما ارتبط اسمها بملكية نادي لندن سيتي ليونيسز، الذي صعد إلى الدوري الممتاز للسيدات في نهاية موسم 2024-2025، ونادي أولمبيك ليون، المعروف سابقاً باسم أولمبيك ليون للسيدات، والذي ينافس في الدوري الفرنسي الممتاز ودوري أبطال أوروبا للسيدات.

ولا تقتصر استثماراتها على كرة القدم النسائية، إذ تمتلك أيضاً حصة أقلية في نادي أولمبيك ليون للرجال، وفي 2024، أسست شركة «كينيسكا» في لندن، لتكون مجموعة إدارة شاملة لهيكل ملكيتها المتعددة للأندية، في خطوة كرست صورتها كواحدة من أبرز سيدات الأعمال في كرة القدم النسائية.

وفي 30 يونيو 2025، وصلت كانغ إلى منصب أكثر قوة، بعدما عينت رئيسة لنادي أولمبيك ليون ورئيسة لشركة «إيجل فوتبول» المالكة للنادي، وتأسست «إيجل فوتبول هولدينغز» عام 2022، وهي مملوكة لجون تكستور لإدارة أندية كرة القدم التي يمتلك فيها أغلبية الأسهم، ومنها بوتافوغو البرازيلي، وأولمبيك ليون الفرنسي، وآر دبليو دي إم بروكسل البلجيكي.

وانضمت كانغ إلى مجلس إدارة الشركة في 21 مارس 2023، وأصبحت مالكة لحصة أقلية، ورغم أن الشركة واجهت انخفاضاً حاداً في وضعها المالي بنسبة 19 % مقارنة بالعام السابق، ووصل إجمالي ديونها إلى 540 مليون دولار، فإن مساهمات كانغ لعبت دوراً رئيسياً في دفع الإيرادات إلى الارتفاع بنسبة 24 % بحلول عام 2024، مع استقرار النفقات وانخفاض إجمالي العجز إلى 422 مليون جنيه استرليني.

قمة بالميراس

في البرازيل، كتبت ليلى مجدلاني بيريرا، فصلاً جديداً في تاريخ كرة القدم، بعدما أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة نادي بالميراس، أحد أعرق الأندية البرازيلية.

وبخلفيتها كرائدة أعمال برازيلية من أصول لبنانية، ومحامية وصحفية ومديرة رياضية، نجحت بيريرا في تحويل اسمها إلى واحد من أبرز الأسماء الإدارية في كرة القدم البرازيلية.

ولدت ليلى مجدلاني بيريرا في 11 نوفمبر 1964، وكانت تترأس شركة «كريفيسا» المالية قبل أن تخوض انتخابات رئاسة بالميراس وتحقق فوزاً كاسحاً، بعدما حصلت على 1.897 صوتاً من أصل 2.141 صوتاً.

ومنذ وصولها إلى رئاسة النادي في ديسمبر 2021، دخل بالميراس مرحلة حافلة بالإنجازات والألقاب، وفي عام 2022 حقق الفريق الدوري البرازيلي وكأس ريكوبا سوداميريكانا ودوري باوليستا.

ولم يقتصر النجاح على فريق الرجال، إذ توج فريق السيدات في النادي بكأس ليبرتادوريس ودوري باوليستا، في انعكاس واضح لاهتمام الإدارة بمختلف قطاعات

النادي.

وترتبط قصة بيريرا بالميراس أيضاً بعلاقة مالية واستثمارية قوية، إذ أصبحت «كريفيسا»، الشركة المالية التي تملكها، الراعي الرسمي للنادي منذ 2015، وشكلت الشراكة بين الشركة والنادي أحد مصادر الدعم المالي التي ساعدت بالميراس على تعزيز استثماراته ورفع قدرته التنافسية، ومن أبرز ثمار تلك المرحلة فوز بالميراس بلقب كأس ليبرتادوريس مرتين.

ولم يكن نفوذ بيريرا رياضياً فقط، إذ صنفتها مجلة «فوربس» عام 2022 خامس أغنى امرأة في البرازيل، في تأكيد على ثقلها الاقتصادي وقدرتها على الجمع بين عالم الأعمال وكرة القدم، ولكن النجاح لم يمنع العواصف الجماهيرية، إذ تعرضت بيريرا لانتقادات من مشجعي بالميراس، خصوصاً جماعة مانشا ألفيردي، بسبب عدد من القرارات خلال فترة رئاستها.

وكان من أبرز الانتقادات تأخر التعاقدات مع اللاعبين في موسم 2023، إلى جانب التعامل مع احتجاجات جماهيرية مرتبطة بمرافق النادي، ومنها تغيير أماكن الجلوس في ملعب أليانز باركي.

وفي خطوة استراتيجية لتعزيز البنية التحتية، فازت «كريفيسا» بإدارة ملعب أرينا بارويري في أكتوبر 2023، وأعلنت بيريرا أن شركتها ستستثمر ما يصل إلى 100 مليون دولار في تطوير الملعب على مدار 35 عاماً، في مشروع يستهدف تحسين تجربة الجماهير وتوفير ملعب بديل لبالميراس عندما يتعذر استخدام أليانز باركي.

وهذه التجارب المتنوعة تكشف أن حضور المرأة في كرة القدم لم يعد مجرد ظاهرة عابرة أو محاولة لإثبات الذات، بل أصبح جزءاً متنامياً من هيكل اللعبة الحديثة، وبينما وصلت سمورة إلى قمة الهرم الإداري في «فيفا»، دخلت نسيكيرا التاريخ من بوابة مجلس الاتحاد الدولي، وصنعت غرانوفسكايا نفوذها في سوق الانتقالات، واقتحمت هاردوين دوائر القرار في «يويفا»، وحولت دود تجربتها كلاعبة إلى مشروع للدفاع عن المساواة.

وفي المقابل، انتقلت كانغ إلى مرحلة أكثر جرأة عبر امتلاك وإدارة الأندية، بينما صنعت بيريرا نموذجاً مختلفاً في البرازيل، يجمع بين المال والرياضة والإنجازات.