يواجه مانشستر سيتي واحدًا من أصعب تحدياته في السنوات الأخيرة، بعدما بات احتمال رحيل رودري إلى ريال مدريد يفرض على إدارة النادي والجهاز الفني البحث عن صيغة جديدة لخط الوسط، في مهمة لا تبدو مرتبطة بإيجاد لاعب بديل فقط، بل بإعادة بناء الدور الذي شكل أحد أهم أسباب هيمنة الفريق خلال حقبة بيب غوارديولا.

ولا يبدو تعويض الدولي الإسباني مهمة يمكن إنجازها بصفقة واحدة، إذ يحتاج الفريق إلى إعادة توزيع أدوار خط الوسط، وربما تعديل بعض الجوانب التكتيكية، في ظل التأثير الكبير الذي يقدمه رودري داخل الملعب.

ويأتي هذا التحدي في وقت يواصل فيه مانشستر سيتي إعادة تشكيل مشروعه الفني، بعد تولي إنزو ماريسكا القيادة خلفًا لبيب غوارديولا، وفي ظل رحيل عدد من الركائز على مدار السنوات الأخيرة، مثل كيفن دي بروين وإلكاي غوندوغان وبرناردو سيلفا، بينما يبدو رودري مرشحًا لأن يكون الاسم الأبرز التالي في هذه السلسلة.

ولا تكمن أهمية رودري في دقة تمريراته أو قدرته على الاحتفاظ بالكرة، بل في كونه اللاعب الذي يحدد إيقاع بناء الهجمات، ويمنح الفريق أفضلية مستمرة في الاستحواذ، كما يؤدي دورًا محوريًا في الضغط العكسي واستعادة الكرة فور فقدانها، وهو ما منح سيتي سيطرة كبيرة على المباريات طوال السنوات الماضية.

ومنذ انضمامه إلى مانشستر سيتي عام 2019، يلمس رودري الكرة بمعدل يقارب 109 مرات في المباراة، مع نسبة دقة تمرير تصل إلى نحو 92%، كما يمتلك قدرة استثنائية على كسر خطوط المنافس بالتمريرات المباشرة أو التحرك بالكرة من العمق، إلى جانب إجادته تغيير اتجاه اللعب بكرات طويلة نحو الأطراف.

ولا يكتفي اللاعب الإسباني بصناعة اللعب، بل يتميز أيضًا بقراءته المبكرة للهجمات المرتدة، إذ يقود الضغط العكسي ويستعيد الكرة بسرعة، وهو ما يفسر ارتفاع معدل الفرص التي يستقبلها الفريق من الهجمات المرتدة عند غيابه مقارنة بوجوده.

وبدأت إدارة مانشستر سيتي بالفعل التحرك تحسبًا لهذا السيناريو، بعدما تعاقدت مع إليوت أندرسون في صفقة قياسية للنادي، بينما تواصل متابعة الموهبة المغربية أيوب بوعادي، الذي يُنظر إليه باعتباره مشروع لاعب ارتكاز للمستقبل.

ويمتلك أندرسون مقومات عديدة تؤهله للنجاح، بفضل نشاطه البدني وقدرته على استعادة الكرات، بعدما سجل أعلى عدد من الاسترجاعات الدفاعية بين لاعبي الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى خلال الموسم الماضي بواقع 301 مرة، كما صنع 51 فرصة مع نوتنغهام فورست، وكان الأكثر مشاركة في بناء اللعب داخل فريقه.

واعتاد اللاعب الإنجليزي طلب الكرة باستمرار والمشاركة في إخراجها من الخلف، وهي خصائص قد تساعده على التأقلم مع أسلوب ماريسكا، رغم أن دقة تمريراته وتأثيره في التحكم بإيقاع اللعب لا يزالان بعيدين عن المستوى الذي يقدمه رودري.

وفي المقابل، يقدم بوعادي خيارًا مختلفًا على المدى البعيد، إذ يتمتع بقدرة على اللعب تحت الضغط، والتحرك بذكاء في المساحات الضيقة، إضافة إلى القوة في الالتحامات والمرونة التكتيكية، وهو ما قد يسمح بتكوين ثنائي مع أندرسون في وسط الملعب إذا اكتملت الصفقة.

وقد يضطر ماريسكا إلى توزيع المهام التي كان يؤديها رودري بين أكثر من لاعب، بدلًا من الاعتماد على بديل مباشر، خاصة أن اللاعب الإسباني يجمع بين جودة التمرير والتمركز الدفاعي وقيادة الضغط، وهي مجموعة من الخصائص يصعب توفرها في لاعب واحد.

وكان مانشستر سيتي يخطط أصلًا لبدء مرحلة الإحلال التدريجي لرودري، إلا أن اقتراب رحيله المحتمل سرع هذه العملية، ليصبح نجاح أندرسون، وربما انضمام بوعادي، عاملين حاسمين في قدرة الفريق على الحفاظ على هويته الفنية خلال السنوات المقبلة.