برغم أن منطقة شرقي ووسط أفريقيا «سيكافا» تعتبر مهداً لمواهب كروية فذة، إلا أن واقع اللعبة هناك يصطدم بجدار من التحديات الهيكلية التي جعلتها تتأخر بخطوات عن جيرانها في شمالي وغربي القارة، بسبب غياب البنية التحتية المتطورة، فالملاعب الحديثة ومراكز التكوين القاعدي تكاد تكون منعدمة في كثير من دول المنطقة، ما يؤدي إلى وأد المواهب في مهدها، كما يبرز ضعف التمويل، وغياب الاستثمار الرياضي كعائق رئيس، حيث تعتمد معظم الأندية والاتحادات على هبات حكومية متذبذبة أو رعايات خجولة، ما يمنع الاحتراف الحقيقي، ويحول دون استقطاب الكفاءات التدريبية العالية.
واقع تحت الحصار
تجمع المنطقة تحديات متداخلة، تعيق نهضتها الكروية، حيث تبرز كينيا كنموذج للمعاناة من التخبط الإداري الذي وصل حد تجميد نشاطها دولياً سابقاً، واضطرارها حالياً للعب خارج أرضها لتهالك ملاعبها، بينما يجسد السودان مأساة الكرة المهجرة، رغم النتائج البطولية لمنتخبه في ظل غياب الدوري المحلي، في حين تواجه كل من إثيوبيا وجنوب السودان تحديات التأسيس من الصفر في ظل شح التمويل، وتعاني أوغندا من فجوة كبيرة بين نجاحات المنتخبات الوطنية، وضعف الاستثمار في الأندية المحلية الذي يمنع اللاعب من الاستقرار المادي، وفي أفريقيا الوسطى، تغرق اللعبة في دوامة تبديد الموارد، والتدخل الحكومي في التعيينات الفنية «كما حدث مؤخراً في أزمة تعيين مدرب المنتخب في أفريقيا الوسطى».
رهان المنشآت الصعب
تبرز كل من تنزانيا وأوغندا، كحالة خاصة، فرغم استثمارهما في تحديث 5 ملاعب رئيسة «مثل ملعب بنيامين مكابا ومانديلا الوطني» استعداداً لبطولة «كان 2027»، إلا أن التقارير تشير إلى أن الفجوة في التمويل لا تزال تهدد الجدول الزمني للتنفيذ، حيث رُصدت ميزانية تتجاوز 112 مليون دولار لبناء ملعب «سامية صولوهو» وحده في مدينة أروشا بتنزانيا.
دعم ضائع وحلول غائبة
تنصهر هذه الأزمات في حقيقة مفادها أن غياب الشفافية والتدخل السياسي يؤديان لضياع المخصصات المالية لبرنامج «فيفا فورورد»، الذي رصد 2.25 مليار دولار للدورة بين 2023-2026، يخصص منها 102 مليون دولار للتطوير، إلا أن حصة المنطقة تتبدد غالباً في صراعات إدارية، ويتطلب الخروج من هذا النفق ثورة شاملة، تفرض الرقابة المالية الصارمة، وتوجه مخصصات الفيفا البالغة 3 ملايين دولار لكل اتحاد لمشاريع تطويرية ملموسة، بعيداً عن الاغتراب الرياضي، الذي يجعل الجماهير تهجر دورياتها المحلية لصالح البطولات الكبرى، لضمان تحويل كرة القدم من منجم مستنزف، إلى صناعة وطنية تليق بشغف شعوب المنطقة.
خارطة الإنقاذ
إن الآثار الجانبية لهذا الواقع المأزوم تجاوزت حدود المستطيل الأخضر لتصيب جوهر اللعبة، حيث تسبب ضعف المنافسات المحلية في هجرة المواهب نحو دوريات مغمورة، ما أضعف المنتخبات وأطفأ بريق البطولات الوطنية، فأصبح ارتباط المشجع عاطفياً بالأندية الأوروبية، بدلاً من فرق مدينته المفتقرة للاستدامة، وللخروج من هذا النفق المظلم، لا بديل عن حزمة إصلاحات جريئة تفك الارتباط بين الرياضة والسياسة، وتمنح الاستقلالية التامة للاتحادات لتبني عقلية استثمارية تجذب القطاع الخاص، مع التركيز على أكاديميات التكوين لإنتاج أجيال مؤسسة علمياً، وبالإرادة والشفافية، يمكن لهذه المنطقة أن تتحول من منجم مهمل، إلى قوة كروية ضاربة، للاستفادة من نافذة الأمل التي فتحها التوسع المونديالي الجديد لانتزاع مكانتها المستحقة بين كبار القارة.