لم تعد الملاعب العشبية المسرح الوحيد لحسم البطولات الكبرى، فبينما يركض اللاعبون خلف الكرة في القارة السمراء، تُلعب مباراة موازية خلف أبواب محكمة التحكيم الرياضي «كاس» في لوزان. وشهد عاما 2024 و2025 زحاماً غير مسبوق للملفات العربية والأفريقية، في تحول عكس فقدان الثقة في الهيئات المحلية، بحثاً عن الحياد المطلق.
بيراميدز والهلال
في مصر، سجل نادي بيراميدز سابقة بمقاضاة الاتحاد المصري للمطالبة بلقب الدوري، في خطوة لفرض معايير تنظيمية صارمة بعيداً عن الكواليس المحلية. وفي السودان، لجأ الهلال السوداني لـ«كاس» طعناً في قرارات «الكاف» بحرمانه من جماهيره في مباريات مفصلية لدواعٍ أمنية، معتبراً إياها قرارات تفتقر للموضوعية وتخل بمبدأ تكافؤ الفرص.
الاستئناف التاريخي
وبلغ الحراك القانوني ذروته في مارس 2026، باستئناف تاريخي للاتحاد السنغالي ضد «الكاف» والجامعة المغربية، طاعناً في قرار منح المغرب لقب كأس أمم أفريقيا إدارياً (3-0) بعد نهائي شهد أحداثاً دراماتيكية، ويطالب السنغال بإبطال التتويج وإعادة المباراة على أرض محايدة، ما وضع القارة أمام حالة ترقب قانوني غير مسبوق.
دبلوماسية التقاضي
ويعكس هذا الزحف نحو لوزان نضجاً في «دبلوماسية التقاضي» لدى الإدارات الرياضية، التي باتت تستخدم القضاء الدولي أداة لانتزاع الحقوق وتثبيت الاحترافية، لتصبح منصة «كاس» هي الحكَم الفعلي لمستقبل الكرة الأفريقية.
أسباب الهجرة لسويسرا
وثمة أسباب جوهرية جعلت من المحكمة الرياضية الدولية المقصد الأول، أبرزها الاستقلالية التامة، إذ إن «كاس» تمثل سلطة قضائية عليا مستقلة عن «الفيفا»، و«كاف»، ما يمنح المتقاضين شعوراً بالأمان تجاه النزاهة، كما أن الكثيرين يرون أن بعض لوائح الاتحادات المحلية والقارية يشوبها الغموض، ما يدفع الأندية للبحث عن تفسيرات قانونية أكثر دقة وعمقاً لدى «كاس»، فضلاً عن أن قرارات المحكمة الدولية إلزامية ونهائية، ولا تملك الاتحادات الرياضية إلا الرضوخ لها، ما ينهي الجدل الطويل في القضايا الشائكة.
متاعب اللجوء لـ«كاس»
بالمقابل ورغم المكاسب القانونية، فإن اللجوء لـ«كاس» ليس طريقاً مفروشاً بالورود، فالتكلفة المالية الباهظة، بدءاً من رسوم القضايا وصولاً إلى أتعاب المحامين الدوليين، ترهق كاهل الأندية التي لا تملك سيولة كافية، كما أن طول أمد التقاضي، الذي قد يمتد لشهور، يضع المسابقات المحلية والقارية في حالة من الارتباك والانتظار تحت التحفظ.
ويبقى القول إن تزايد القضايا الأفريقية والعربية في لوزان يضع الاتحاد الأفريقي أمام مسؤولية تاريخية لتطوير منظومته القانونية والقضائية الداخلية، فبينما يُنظر للجوء إلى «كاس» على أنه حق أصيل يكفله القانون الدولي، فإنه في الوقت ذاته جرس إنذار بضرورة تحديث اللوائح وتدريب الكوادر القانونية داخل القارة، لتقليص الفجوة بين القرارات الإدارية ومعايير العدالة الدولية.
في نهاية المطاف، يبقى التوجه نحو «كاس» دليلاً على نضج احترافي لدى الإدارات الرياضية العربية والأفريقية، التي لم تعد تكتفي بالاحتجاج الشفهي، بل أصبحت تجيد اللعب بالورقة والقلم في ملاعب القانون الدولي، تماماً كما تجيد المنافسة داخل المستطيل الأخضر.