سجلت مباراة باريس سان جيرمان وبايرن ميونخ في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا والتي انتهت بنتيجة قياسية 5-4، نفسها ليست كواحدة من المباريات الملحمية، بل كمواجهة استثنائية ربما تصبح مرجعية في ما بعد، بعدما أعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة كرة القدم الحديثة.
وخطف الأداء المذهل لباريس سان جيرمان وبايرن ميونخ أنظار العالم في واحدة من أفضل المباريات في القرن الحالي، ومباراة «قريبة من الفن» كما وصفها البعض، فيما اعتبرها البعض الآخر «خروجاً عن النص»، إذ في الوقت الذي سيطر فيه التنظيم والانضباط التكتيكي الشديد على كرة القدم، جاءت هذه المواجهة في ملعب حديقة الأمراء وكأنها تمرد على ما هو سائد نظراً للمتعة الهجومية النادرة التي شهدتها المواجهة.
ورغم أن الفريقين يمتلكان أقوى هجوم في دوري الأبطال هذا الموسم، والتوقعات كانت تنبئ بمواجهة قوية، لكن ليس بهذا الشكل، إذ منذ الدقائق الأولى، خالفت التوقعات التكتيكية، وافتتح بايرن التسجيل عبر هاري كين، لكن السيطرة لم تدم طويلاً للفريق الألماني، وسرعان ما تحولت المباراة إلى تبادل هجومي مفتوح، وسط استغلال المساحات في ظل غياب تام عن التركيز الدفاعي.
ردود الأفعال العالمية بعد المباراة جاءت متباينة، وإن تركزت حول أن «هذه هي كرة القدم التي يجب أن تلعب»، بحسب ما أكده العديد من النجوم.
على سبيل المثال، نشر نجم مانشستر سيتي، إيرلينغ هالاند على حسابه على «إنستغرام» صورة وهو يتابع المباراة، وكتب تعليقاً «هذه هي كرة القدم»، أما أسطورة تشيلسي وإنجلترا السابق، جون تيري، فنشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو وهو يتحدث عن المباراة بنفس المنطق، وأن كرة القدم يجب أن تكون هكذا.
لكن في ردود الأفعال دار الجدال ما بين القوة الهجومية الهائلة، والمتعة التي قدمها الفريقان خلال اللقاء، وما بين أن الغزارة التهديفية في هذا المستوى العالي من كرة القدم لم تكن فقط نتيجة القوة الهجومية، ولكن غياب كارثي للمنظومة الدفاعية في كلا الفريقين.
فقد أشاد كل من تيري هنري وجيمي كاراغر بالجرأة الهجومية من الجانبين، وباستعداداتهما للمخاطرة الهجومية الشديدة، وقال هنري إن المباراة جاءت في وقت كانت هناك معاناة خلال آخر عامين من الكرة المملة، لكن في المقابل كانت هناك أصوات تؤكد أن ما حدث لا يعدو سوى «فوضى دفاعية وتكتيكية» على خلاف المعروف عن كرة القدم الحديثة.
دفاعياً، لم يكن أي من الفريقين مقنعاً، وانتشرت الفوضى في التحولات وسط سرعة فائقة لنسق اللقاء، وعجزا عن السيطرة على المساحات بين الخطوط، مع غياب مبدأ التوازن الدفاعي، في مقابل أداء هجومي إبداعي لا يعتمد فقط على الخطط وإنما على مهارات فردية على أعلى مستوى.
بالتأكيد المباراة من وجهة نظر جماهيرية هي مثال لما يجب أن تكون كرة القدم، ولكن من وجهة نظر مدربين الأمر مختلف، بدليل الحديث الذي دار بين فنسنت كومباني ولويس إنريكي مدربي الفريقين عقب اللقاء، حين تصافحا عقب اللقاء، حيث سأل إنريكي نظيره مدرب بايرن حول شعوره ورأيه عن المباراة المجنونة، فجاء رد كومباني داعماً للتمسك بالانضباط التكتيكي بأن الأمر لم يعجبه على الإطلاق.
وقبل المباراة، جاء تصريح للاعب بايرن وقائد ألمانيا السابق، وأحد أفضل الظهراء في كرة القدم على مستوى العالم، فيليب لام، بأن مفتاح النجاح في مواجهة نصف النهائي يكمن في الدفاع، ووخاصة في ظل امتلاك الفريقين قوة هجومية كبيرة، لكن ما حدث جاء عكس ذلك، وتحولت المباراة لحرب من أجل فرض فلسفة السطوة الهجومية المطلقة.
وما بين المتعة التي قدمتها المباراة، والنقاش والجدل حولها، ستبقى واحدة من أفضل وأكثر مباريات دوري الأبطال إثارة وندية، وقد تكون مجرد مواجهة عابرة قد لا تتكرر كثيراً في المستقبل، في انتظار مباراة الإياب التي ستحسم المتأهل إلى النهائي.