يعتبر فوز ليفربول بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز أمس الأحد، أحد أبرز إنجازات النادي في الآونة الأخيرة، وسيظل من أكثر قصص النجاح غير المتوقعة في عصر البريمييرليغ لعدة أسباب، أهمها أنه حدث في الموسم الأول لآرني سلوت في الكرة الإنجليزية، وتحقق بفريق لم يُنفق عليه أي مبلغ يُذكر خلال فترة الانتقالات الصيفية السابقة.

بينما أنفق فريق أنفيلد 30 مليون يورو للتعاقد مع حارس مرمى فالنسيا جيورجي مامارداشفيلي، إلا أن حارس المرمى الجورجي لن ينتقل فعلياً إلى ليفربول حتى الموسم المقبل، ما يعني أنه خلال موسم الفوز باللقب، لم يشترِ ليفربول سوى لاعب واحد لتدعيم تشكيلة سلوت، وهو الإيطالي فيديريكو كييزا قادماً من يوفنتوس مقابل مبلغ زهيد بلغ 12 مليون يورو فقط، بحسب "ترانسفير ماركت".

هذا النهج الصارم لبناء الفريق غير مسبوق، كما هو متوقع، في اللعبة الحديثة، وبالنظر إلى حقيقة أن ليفربول كسب بالفعل 47 مليون يورو من مبيعات اللاعبين هذا الموسم، فهذا يعني أن صافي إنفاق النادي على الانتقالات يبلغ +5 مليون يورو، وهذا يتناقض مع بطل الدوري الموسم الماضي مانشستر سيتي، الذي بلغ صافي إنفاقه على التعاقدات الجديدة -120.8 مليون يورو.

في الواقع، على مدار مسيرتهم التي لا مثيل لها من أربعة ألقاب متتالية في الدوري، بلغ متوسط إنفاق نادي الاتحاد الصافي -92.5 مليون يورو، من نواحٍ عديدة، كانت الحكمة المتصورة للدوري الإنجليزي الممتاز غالباً هي أن أكبر المنفقين كانوا يميلون إلى أن يكونوا هم الذين جمعوا كل الألقاب، لكن ليفربول سلوت كسر هذه الأسطورة، وحقق لقب الدوري الممتاز بإنفاق القليل من المال.

تشير نظرة سريعة على تشكيلة ليفربول إلى أن فريق سلوت لم يكن المرشح في الصعود إلى منصة التتويج، حيث تبلغ القيمة السوقية للنادي، أي إجمالي الأموال التي أُنفقت على رسوم الانتقالات لتكوين الفريق، 665 مليون يورو، وقد يبدو هذا مبلغاً ضخماً، إلا أنه سادس أعلى رقم في الدوري الإنجليزي الممتاز، مقارنة بمانشستر سيتي، الذي تبلغ القيمة السوقية لتشكيلته ضعف تكلفة ليفربول تقريباً، بقيمة 1.1 مليار يورو.

استراتيجية ليفربول الاستثمارية

هذا يُبرز بوضوح استراتيجية ليفربول الاستثمارية في سوق الانتقالات، فمنذ فوزه الأخير بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز 2020، أنفق النادي 537.6 مليون يورو فقط على لاعبين جدد، مما يضعه في المرتبة العاشرة بين جميع أندية الدوري الإنجليزي الممتاز من حيث إنفاق رسوم الانتقالات، ويعود سرّ استفادة النادي القصوى من هذه الميزانية المحدودة إلى تركيز ليفربول معظم إنفاقه على مجموعة مختارة من لاعبي الفريق الأول، في المجمل أنفق ليفربول 88% من إجمالي رسوم الانتقال المذكورة على 11 لاعباً فقط من الفريق الأول.

على النقيض من ذلك تماماً، أنفق مانشستر سيتي 896.4 مليون يورو على 17 لاعباً لعبوا لفريقهم الأول، وأنفق أرسنال 774.5 مليون يورو على 22 لاعباً لعبوا لفريقهم الأول، وليس من المستغرب أن يكون تشيلسي في دوري خاص به بعد أن أنفق 1.52 مليار يورو على 31 لاعباً لعبوا للفريق الأول في المواسم الخمسة الماضية.

كما نرى، أنفق كل من هذه الأندية أكثر بكثير من ليفربول، ولكن عندما نحللها إلى متوسط رسوم الانتقال لكل لاعب في الفريق الأول، فإن متوسط ليفربول البالغ 40.3 مليون يورو مماثل نسبياً لتشيلسي (48.9 مليون يورو)، وأكثر من أرسنال (35.2 مليون يورو)، بينما لا يزال بعيداً عن متوسط مانشستر سيتي البالغ 52.7 مليون يورو، بعبارة أخرى، كان نادي أنفيلد مستعداً لإجراء تعاقدات كبيرة مثل منافسيه، لكنهم يميلون إلى اتباع الطريقة المجربة والمختبرة للجودة على الكمية عندما يتعلق الأمر بتحديد اللاعبين لتحسين فريقهم.

الأساس القوي الذي تركه كلوب

في حين نجح ليفربول بلا شك في إدارة سوق الانتقالات بشكل أفضل من منافسيه المحليين، إلا أن نجاح سلوت مع النادي لم يكن بفضل قدرته على صنع المعجزات من العدم فحسب، فكما أوضح المدرب الهولندي بكل جدية طوال الموسم، فقد ورث فريقاً مصمماً خصيصاً لتحقيق أعلى مستوى، وعندما ننظر إلى إنفاق ليفربول خلال المواسم العشرة الماضية، نرى أن الريدز كان يستعد بكل تأكيد للمنافسة على اللقب، بغض النظر عمن يدير دكة البدلاء.

لذا، ربما يكون من المُخادع القول إن سلوت تمكّن من الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز دون إنفاق أي أموال، في الحقيقة، كان النادي يعمل خلف الكواليس على بناء فريق قادر على المنافسة على لقبه العشرين في الدوري طوال أربعة مواسم تقريباً، وقد أنفقوا خلال ذلك مبالغ طائلة. مع ذلك، لا ينبغي أن يُقلل هذا من شأن ما حققه سلوت مع هذه المجموعة من اللاعبين، وكيف تمكّنوا من التغلب على فريق أرسنال القوي وحصد اللقب. ناهيك عن الحقيقة الواضحة، وهي أن ليفربول، على الرغم من إنفاقه مبالغ طائلة لبناء هذا الفريق الفائز باللقب، لا يزال هذا المبلغ ضئيلاً للغاية مقارنةً بما أنفقه منافسوه المحليون لتحقيق نجاح لا يُقارن، إن فوز ليفربول باللقب تحت قيادة سلوت ليس مجرد دليل على براعة تكتيكية أو أداء فني مُتميز على مدار موسم واحد في الدوري، بل هو نتيجة تخطيط طويل الأمد، وتوظيف ذكي، وقدرة على مواصلة التفوق على منافسيه.