لم تكن صافرة الحكم يوماً مجرد صوت فضفاض يضيع في صخب المدرجات، بل هي "السلطة الهادئة" التي تضبط فوضى المستطيل الأخضر، تمنح المباراة توازنها، وتعدل كفة اللعبة كلما جرفتها العاطفة أو أشعلها غضب الجماهير. وفي بطولة بحجم كأس العالم، حيث تتجه أنظار الكوكب نحو رقعة عشبية واحدة، لا يعود الحكم مجرد قاضٍ بزي مختلف؛ إنه الشاهد الأول على لقطة قد تخلد في الذاكرة، أو تحاكمها شاشات الإعادة ألف مرة. واليوم، لم تعد هذه السلطة حكراً على الرجال، بل باتت الساحات تشهد عبوراً تاريخياً لنساء يمتلكن الحق الكامل في إدارة صراع الكبار.

عند الاقتراب من تفاصيل الحضور النسائي في المونديال الحالي، تضيق الأرقام كثيراً لتكشف عن تحدٍ حقيقي؛ إذ تضم القائمة الإجمالية 170 مسؤولاً، موزعين بين 52 حكماً للساحة، و88 حكماً مساعداً، و30 مسؤولاً لتقنية الفيديو (VAR). ومن بين هذا الحشد التحكيمي الكبير، لا تظهر الأسماء النسائية إلا في ستة مواضع فقط، أي ما يعادل 3.5% تقريباً من إجمالي الطاقم. ورغم ضآلة هذا الرقم التي تعكس وعورة الطريق، إلا أنه يحمل دلالة قطعية بأن الباب الذي فُتح في ملاعب قطر 2022 لم يُغلق، وأن الصافرة التي تحملها امرأة في بطولة الرجال لم تعد مجرد حدث عابر أو لفتة شرفية لذر الرماد في العيون.

وتأتي هذه النسخة مدعومة بأسماء نسائية تزن ذهباً في الملاعب العالمية، جرى اختيارها بناءً على الكفاءة المطلقة لا الحصص الرمزية، خاصة وأن وصولهن للمونديال لم يكن طفرة فجائية، بل نتاج تمرس طويل في إدارة مباريات مشحونة جماهيرياً في بطولات محلية وقارية قوية للرجال. تبرز في مقدمة حكمات الساحة الأمريكية "توري بينسو"، وهي وجه مألوف في الملاعب الأمريكية وسبق لها إدارة نهائي كأس العالم للسيدات 2023 بنجاح، ليأتي ظهورها الحالي كأمتداد طبيعي لمسيرة حافلة بالاختبارات المعقدة. وإلى جانبها، تحضر المكسيكية "كاتيا إيتزيل غارسيا"، القادمة من أجواء الدوري المكسيكي القوي والمصنف بوقوعه تحت ضغوط استثنائية، لتمثل تحكيم منطقة "الكونكاكاف" كجزء من النخبة التي اختارها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لإدارة أرفع بطولة كروية.

وعلى حافة الملعب، حيث لا تقل المسؤولية دقة أو قسوة عن عمق الميدان، تتواجد أسماء نسائية تصنع الفارق عند خط التماس. تقف الأمريكية "بروك مايو" كحكم مساعد، وتزاملها مواطنتها "كاثرين نيسبيت" التي تمتلك خبرة مونديالية سابقة بعد أن كانت جزءاً من المجموعة التاريخية التي أدارت مباريات قطر. وتنضم إليهما المكسيكية "ساندرا راميريز"، لتكتمل توليفة تحكيمية من أمريكا الشمالية والوسطى تهيمن على الخطوط، وتراقب التسلل اللحظي، وخروج الكرة، والتفاصيل الدقيقة التي قد تغير مسار بطولة بأكملها.

هذا الحضور النسائي لا يكتفي بالركض على العشب، بل يتغلغل في عصب التكنولوجيا الحديثة من خلال تواجد النيكاراغوية "تاتيانا غوزمان" داخل غرفة تقنية الفيديو (VAR). ولم تعد هذه الغرفة مكاناً ثانوياً، بل هي المطبخ الحقيقي لصناعة القرار في كرة القدم المعاصرة، حيث لا تُقاس الكفاءة بلياقة الجري، بل ببرودة الأعصاب تحت الضغط، وبحدة النظر في رصد التفاصيل، وفهم روح القانون والتدخل دون إثقال اللعبة؛ وجود امرأة في هذا الموقع الحساس يؤكد أن التحكيم النسائي يدخل مباشرة في قلب العدالة الكروية الرقمية.

ولم يكن هذا العبور المونديالي وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لرحلة كفاح طويلة بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي؛ إذ يسجل التاريخ الرياضي اسم الكندية "سونيا دينونكور" كأول امرأة في التاريخ تنال الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عام 1994، لتفتح الباب عالمياً أمام جيل كامل من الحكمات. وعلى الصعيد العربي، كانت الصافرة المغربية سبّاقة في كسر هذا الاحتكار عبر الحكمة "خديجة الرزاق"، التي دخلت التاريخ عام 1998 كأول امرأة عربية ترتدي شارة "الفيفا" الدولية، مما يثبت أن الحضور النسائي الحالي يستند إلى إرث ممتد من العمل الدؤوب لإثبات الأحقية والجدارة.

إن الجذور الحديثة لهذا التحول في بطولات الرجال انطلقت بقوة من ملاعب مونديال قطر 2022، عندما اتخذ الـ "فيفا" قراراً تاريخياً بإدراج النساء في قائمة الحكام لأول مرة. ويذكر التاريخ بكثير من التقدير تلك اللحظة الرمزية المفصلية، عندما قادت الفرنسية "ستيفاني فرابار" طاقماً تحكيمياً نسائياً خالصاً لإدارة مباراة (ألمانيا وكوستاريكا)، بمشاركة المساعدتين "نيوزا باك" من البرازيل، و"كارين دياز" من المكسيك، إلى جانب الرواندية "سليمة موكانسانغا"، واليابانية "يوشيمي ياماشيتا". لم يكن ذلك مجرد مانشيت صحفي عابر، بل كان كسرًا لصمت احتكاري امتد لعقود، بدا فيه المونديال وكأنه لا يعرف المرأة إلا مشجعة في المدرجات أو خلف الشاشات.

وما لا يعرفه الكثيرون خلف الشاشات هو أن الاتحاد الدولي لكرة القدم لا يضع أي استثناءات أو اختبارات بدنية مخففة للنساء؛ بل يخضعن تماماً لنفس اختبارات الجري، والسرعة، والتحمل، وقوة الارتداد الصارمة المفروضة على الحكام الرجال. هذا المعيار الموحد يعيد تعريف من يملك حق القرار داخل اللعبة؛ فالتحكيم لا يسأل عن الجنس عند إطلاق الصافرة، بل يسأل عن اللياقة، الشجاعة، والقدرة على الوقوف بثبات أمام لاعبين غاضبين ومدربين متوترين وجماهير لا ترحم. وحين تصل امرأة إلى هذه المرحلة، فهي لا تصل بصفتها امرأة حظيت بامتياز، بل لأنها حَكَمٌ كسر حاجز اللياقة البدنية الفائقة، واجتاز تصفيات صارمة لا تسمح بأي نوع من المجاملة.

ومع ذلك، تواجه الحَكَم المرأة تحدياً نفسياً مضاعفاً يرتبط بالنظرة النمطية للمجتمعات الكروية؛ فالحكم الرجل إذا أخطأ يُنتقد كـ "حكم" أخطأ في التقدير، أما الحَكَم المرأة إذا أخطأت، فيسارع البعض لربط خطئها بـ "جنسها" وقدرتها العاطفية، مما يفرض عليهن ضغطاً عصيباً يتطلب ثباتاً انفعالياً يقارب حد المثالية. ولذلك، لا ينبغي أن يقودنا تواجد ست نساء اليوم إلى الاحتفال المفرط؛ فالأرقام تخبرنا بوضوح أن الطريق لا يزال في بدايته والتمثيل ما زال محدداً؛ ست نساء من أصل 170 مسؤولاً هو رقم يضيء عتبة الباب لكنه لا يملأ الغرفة، وهو دليل بداية لا صك اكتمال.

هذا الواقع يطرح سؤالاً يتجاوز المعضلة القديمة؛ فلم يعد السؤال اليوم "هل تستطيع المرأة تحكيم مباريات الرجال؟" فقد حسمت الملاعب الإجابة بصافرة فرابار وبينسو، بل السؤال الحقيقي الآن: متى يصبح هذا الحضور طبيعياً، متكرراً، وممتداً، بحيث لا نحتاج مع كل نسخة مونديالية إلى صناعة دهشة جديدة أو التعامل مع الأمر كحدث استثنائي؟ إن المرأة التي تحمل الصافرة اليوم لا تغير قانون كرة القدم، بل تعيد صياغة نظرتنا الجماعية لمن يملك الحق في تطبيقه؛ إنها لا تطلب استثناءً أو مكاناً خارج الامتحان، بل تخوض الامتحان الأصعب على الإطلاق وسط صخب المونديال، حيث لا يحميها سوى جودة أدائها، ولا يرفعها إلا قرارها الصحيح.