في قلب غابة هادئة داخل حديقة جوفيرتبارك شرق هولندا، حيث لا يوحي المكان بأي صخب، يولد واحد من أكثر عروض كرة القدم جنوناً وإثارة في أوروبا هذا الموسم.
وهناك، يجتمع أكثر من 12,500 متفرج أسبوعياً لمتابعة ظاهرة كروية استثنائية اسمها نيميغن، الفريق الذي يكتب فصلاً تاريخياً في موسمه الـ125، دون أن يحقق لقباً حتى الآن.
ورغم غياب البطولات، إلا أن الفريق الهولندي خطف الأضواء بأسلوبه الهجومي الجامح، بقيادة مدرب يؤمن بفلسفة واحدة «الهجوم ثم الهجوم»، وجماهيره تصفه بكلمة واحدة «جنون».
ويقول أحد المشجعين المخضرمين: «لم أر شيئاً كهذا طوال 62 عاماً، والفرق تأتي إلى هنا وهي خائفة».
وهذا الأسلوب ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد عصري لفلسفة الكرة الشاملة التي أرساها يوهان كرويف ورينوس ميتشلز في سبعينيات القرن الماضي، لكن بنسخة أكثر مخاطرة وشراسة.
ويقدم فريق نيميغن، كرة قدم هجومية متواصلة تعتمد على الضغط العالي والتحرك المستمر، حيث يتحول الظهير إلى جناح، ولاعب الوسط إلى مهاجم، بل إن قلوب الدفاع أنفسهم يظهرون داخل منطقة جزاء الخصم.
وتعكس الأرقام مدى القوة الهجومية، إذ يعتبر الفريق ثاني أقوى هجوم في الدوري الهولندي، وسجل في 13 مباراة 3 أهداف أو أكثر، مقابل 7 مباريات استقبل فيها 3 أهداف أو أكثر، حتى أن مباريات الفريق أشبه بعروض مفتوحة لا مكان فيها للحذر.
ويقود هذه الثورة كما أشارت صحيفة «ماركا» المدرب ديك شرودر، الذي بنى سمعته على تحويل الفرق المتواضعة إلى آلات هجومية، وفلسفته بسيطة لكنها مرهقة، وهي ضغط دائم، حركة بلا توقف، ومخاطرة محسوبة.
ورغم أن هذا الأسلوب يترك مساحات قاتلة خلف الدفاع، إلا أن الفريق يعوض ذلك بضغط شرس، بتحقيق 1613 التحاماً ناجحاً، و165 استعادة للكرة في الثلث الهجومي، و302 مرة إجبار المنافس على فقدان الكرة.
ويقبل شرودر يقبل المخاطرة، لأنه ببساطة يؤمن أن فريقه يستطيع تسجيل أكثر مما يستقبل، وبعيداً عن ملاعب النخبة مثل يوهان كرويف أرينا، يلعب نيميغن في ملعب صغير وسط الغابة، حيث يمكن للجماهير الاقتراب من اللاعبين بشكل غير معتاد، وحيث تبدو كرة القدم أكثر بساطة وأكثر صدقاً، وحتى تجهيزات اللاعبين تعكس ذلك، وهي مجرد أحذية مستهلكة، وإمكانيات متواضعة، لكن بروح قتالية هائلة.
ووراء هذا المشروع يقف المستثمر الهولندي مارسيل بوكهورن، الذي وعد والده قبل وفاته برعاية النادي بفضل دعمه المالي، ولم يعد النادي مضطراً لبيع نجومه، بل أصبح قادراً على رفض عروض بملايين اليوروهات للحفاظ على استقراره.
وهذا الاستقرار سمح ببناء فريق جريء، لا يخشى المخاطرة، ولا يخضع للمنطق التقليدي، ويدفع جمهوره للبقاء في المدرجات حتى آخر لحظة، لأن مباريات نيميغن لا تنتهي إلا بصافرة النهاية.
وفي زمن تهيمن فيه القوة البدنية والواقعية على كرة القدم، يقدم نيميغن نموذجًا مختلفًا عبارة عن كرة قدم مجنونة، جميلة، ومليئة بالمخاطر، وقد لا يفوز بالألقاب لكنه فاز بشيء آخر، وهو قلوب الجماهير، وإعجاب أوروبا، بعدما لم تعد كرة القدم مجرد لعبة بل عرض لا يصدق، يجب أن تراه لتؤمن به.
