اقتحمت الواقعية عالم منتخب البرازيل، بعدما فرضت أفكار المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي نفسها على فلسفة «السامبا»، التي ارتبطت لعقود طويلة بالمهارة واللعب الهجومي الممتع، في تحول يفتح المجال أمام إعادة تشكيل هوية أحد أكثر المنتخبات إمتاعاً في تاريخ كرة القدم.



وتناولت تقارير لصحيفة «الغارديان» البريطانية هذا التحول في أسلوب منتخب البرازيل، بين الحفاظ على هويته الهجومية والتوجه نحو الواقعية التكتيكية.



وترتبط صورة البرازيل في أذهان الجماهير بأسلوب «جوجو بونيتو»، القائم على المهارة الفردية العالية والانطلاق الهجومي دون قيود، وهو ما جعل «السيليساو» رمزاً عالمياً للمتعة الكروية، خاصة في العالم العربي، حيث ارتبطت جماهيريته بهذه الهوية التي ترفض الحسابات الدفاعية الصارمة.



وطرح أنشيلوتي مع البرازيل رؤية مختلفة، تقوم على تقليل الأخطاء قبل البحث عن الأداء الجمالي، انطلاقاً من قناعة بأن الفريق الذي يستقبل أهدافاً أقل يكون الأقرب لتحقيق البطولات، مستنداً إلى تجارب سابقة لمنتخب «السامبا»، مثل تتويجه بكأس العالم 1994، عندما فضل التوازن الدفاعي على الاندفاع الهجومي، ونجح في حصد اللقب بأسلوب أكثر واقعية.



ويعتمد المدرب المخضرم على أسلوب المدرسة الأوروبية، وتحديداً الإيطالية، التي تمنح الأولوية للتنظيم الدفاعي والانضباط التكتيكي، وهو ما يسعى لتطبيقه مع منتخب البرازيل، رغم امتلاكه وفرة هجومية كبيرة بوجود لاعبين مثل فينيسيوس جونيور ورافينيا، دون التخلي عن المهارة، بل توجيهها داخل إطار أكثر انضباطاً.



ويُظهر هذا التحول طبيعة كرة القدم الحديثة، حيث لم يعد «اللعب الجميل» وحده كافياً لتحقيق البطولات، كما حدث مع منتخب البرازيل في نسخة 1982، الذي قدم أداءً ممتعاً لكنه افتقد الصلابة الدفاعية وخرج دون تتويج، بينما حصدت إيطاليا اللقب بأسلوب أكثر توازناً وتنظيماً.



ويرجح هذا الاتجاه كفة الواقعية في البطولات المجمعة مثل كأس العالم، حيث يصبح الخطأ الدفاعي مكلفاً، ما يدفع المدربين إلى تفضيل الأداء المتوازن على الاستعراض، حتى وإن جاء ذلك على حساب المتعة التي ينتظرها الجمهور.



ويبحث أنشيلوتي عن صيغة تجمع بين المعادلتين، بحيث لا تُلغي هوية البرازيل، ولا تتركها عرضة للاندفاع الهجومي، بل تقوم على تحقيق توازن يمنح «السامبا» القدرة على المنافسة دون فقدان روحها، من خلال التزام جماعي بالأدوار الدفاعية، مع الحفاظ على الحرية الإبداعية في الثلث الهجومي.



ويمهد هذا التحول لنسخة مختلفة من منتخب البرازيل، أكثر صرامة وأقرب إلى الواقعية، لكنه يضع في الوقت نفسه تحدياً حقيقياً أمام الجهاز الفني بقيادة المخضرم أنشيلوتي، يتمثل في الحفاظ على جوهر «السامبا» دون التضحية بفرص العودة إلى منصات التتويج.