في صيف ينتظره العالم، ستتحول ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، إلى مسرح لملحمة كروية جديدة في كأس العالم 2026، ولكن النجوم هذه المرة لن يكونوا اللاعبين فقط، بل رجال المنطقة الفنية، 13 مدرباً يدخلون البطولة وهم يحملون في ذاكرتهم صخب المونديال، ومرارة الخروج، ونشوة المجد من نسخ سابقة التف حولها عشاق كرة القدم في كل أرجاء الأرض.
وعلى الخطوط الجانبية، لن تقل المعركة اشتعالاً عما يدور داخل المستطيل الأخضر، والأضواء ستتجه إلى صراع فكري تكتيكي بين عقول صنعت المجد وأخرى تبحث عن استعادته، وهناك من يعرف طريق الكأس جيداً، مثل بطلي العالم ديدييه ديشامب وليونيل سكالوني، اللذين تذوقا نشوة التتويج ويدركان ثقل البقاء على القمة.
وفي المقابل، يقف مدربون تمتد خبرتهم إلى نسخة 2002، مثل خافيير أغيري ومارسيلو بييلسا، ممن خبروا تقلبات المونديال وذاقوا طعم المجد والانكسار، ويحملون في جعبتهم دروس عقود من التجربة، وبين خبرة الأبطال وطموح الساعين، يبقى السؤال.. من سيصعد إلى منصة التتويج ويكتب فصلاً جديداً من المجد؟ ومن سيجد نفسه أسير مرارة الخسارة تحت أضواء لا ترحم؟
صناعة المفاجأة
خوض كأس عالم أولى ليس كالثانية أو الثالثة، إذ تتغير النظرة، ويختلف الإحساس، وتصبح مخاطبة اللاعبين أكثر عمقاً وحذراً، ولكن ليونيل سكالوني، كسر القاعدة، وبات مثالاً حياً على صناعة المفاجأة.
ودخل سكالوني كأس العالم 2022 بلا خبرة سابقة كمدير فني، رغم عمله مساعداً للمدير الفني خورخي سامباولي في كأس العالم 2018، ولكنه في قطر كتب اسمه بالذهب وقاد الأرجنتين إلى اللقب، وبعد أن منح بلاده لقبها الثالث في 2022، ربما يصبح في 2026 أول مدرب أرجنتيني يحرز لقبين، وهو إنجاز لم يحققه لويس مينوتي (1978-1982)، ولا كارلوس بيلاردو (1986-1990).
وفي المقابل، وبعمر 57 عاماً، سيقود ديدييه ديشامب، منتخب فرنسا للمرة الثالثة في مونديال 2026 بعد نسختي 2018 و2022، وعاد قائد منتخب 1998 المتوج لاعباً، ليحمل الكأس مدرباً في روسيا 2018، بعد الفوز على كرواتيا، وفي قطر 2022، خسر نهائياً تاريخياً أمام الأرجنتين في واحدة من أعظم مباريات البطولة، وسيعود في 2026 ليقود جيلاً موهوباً يتقدمه كيليان مبابي، بحثاً عن المجد من جديد.
العابر بين القارات
يعد مارسيلو بييلسا المدرب الوحيد في نسخة 2026 الذي قاد ثلاثة منتخبات مختلفة في كأس العالم، والبداية مع الأرجنتين في 2002، والخروج من دور المجموعات رغم الترشيحات، ثم تشيلي في 2010 وبلوغ ثمن النهائي، وبعدها أوروغواي في قطر 2022. وفي 2026، يطمح مع المنتخب نفسه لمحو خيبة الخروج المبكر من دور المجموعات في المونديال الأخير.
أما هيرفي رينارد، فقصة أخرى من الجرأة، إذ قاد المغرب في 2018 وخرج بنقطة واحدة، ثم عاد في قطر 2022، وصنع التاريخ حين قاد السعودية للفوز 2-1 على الأرجنتين في واحدة من أعظم مفاجآت المونديال، وسيعود مع السعودية مجدداً في مونديال 2026، بعد تجربة مع منتخب فرنسا للسيدات في كأس العالم للسيدات 2023.
اختبار الأرض
قاد خافيير أغيري، المكسيك في مونديالي 2002 و2010، وبلغ دور الـ16 في المرتين قبل أن يودع أمام الولايات المتحدة ثم الأرجنتين، وفي 2026، سيعود وعلى أرضه لخوض أصعب اختبار في مسيرته المونديالية الثالثة.
وعاش روبرتو مارتينيز قمة المجد مع بلجيكا ثالثة مونديال 2018، قبل أن يخرج من المجموعات في 2022، والآن يقود البرتغال إلى البطولة وهو حامل لقب دوري الأمم الأوروبية، أما زلاتكو داليتش، فقاد كرواتيا إلى نهائي 2018، ثم إلى نصف نهائي 2022، ونال المركز الثالث، وفي 2026 يبدأ مشواره بمجموعة صعبة تضم إنجلترا وغانا وبنما.
الأحلام المؤجلة
قاد غوستافو ألفارو الإكوادور لتألق لافت في 2022 قبل أن يودع أمام السنغال، والآن يقود باراغواي في أول ظهور لها منذ 16 عاماً، وقاد هاجيمي مورياسو اليابان لصدارة مجموعة ضمت ألمانيا وإسبانيا في 2022 قبل الخروج بركلات الترجيح أمام كرواتيا، وهدفه في 2026 واضح، وهو تجاوز حاجز ثمن النهائي.
بينما عانى هونغ ميونغ-بو في 2014 بخروج مبكر، ويعود في 2026 مع كوريا الجنوبية بطموح تصحيح الصورة، أما أوتو أدو، فاستقال بعد خروج غانا من مجموعات 2022، ثم عاد في 2024 وقادها للتأهل مجدداً في أكتوبر 2025، وكأن القدر منحه فرصة جديدة.
وقاد فلاديمير بيتكوفيتش سويسرا لثمن نهائي 2018، ويعود في 2026 مدرباً للجزائر التي تظهر لأول مرة منذ 12 عاماً، أما مراد ياكين، فقاد سويسرا لعبور المجموعات في 2022 قبل خسارة ثقيلة 6-1 أمام البرتغال في ثمن النهائي، وفي 2026 يسعى لكتابة نهاية مختلفة.
وفي أمريكا الشمالية، لن تكون البطولة مجرد صراع بين منتخبات، بل مواجهة بين تجارب وخيبات وأحلام مؤجلة، وبعضهم يعرف طعم الذهب، وآخرون لم ينسوا مرارة الدموع، ولكن في كأس العالم، لا يحسم الماضي المستقبل، وصافرة البداية وحدها تقول الحقيقة.
