ماذا يفعلون هناك في بودو؟
سؤال يتردد صداه في ملاعب القارة، بعدما تحول بودو/غليمت من نادٍ مغمور على أطراف العالم، إلى أحد أكثر الأسماء إثارة في دوري أبطال أوروبا.
وعلى بعد أقل من 200 كيلومتر من الدائرة القطبية الشمالية، تقف مدينة بودو، حيث البرد قاسٍ، والرياح لا تهدأ، والشفق القطبي يلون السماء، وهناك، بين صيادي السمك وسكان اعتادوا تحدي الطبيعة، ولدت قصة كروية لا تقل صلابة عن مناخها.
ففي عام 2016، هبط النادي إلى الدرجة الثانية وكان على شفا الانهيار المالي، وأنقذته حملات شعبية من السقوط الأخير، ومن بينها جمع الزجاجات لدعم الخزينة، وبعد أربع سنوات فقط، جاء الانفجار، أول لقب دوري في 2020، ثم أتبعه بثلاثة ألقاب أخرى أعوام 2021، 2023 و2024، ليسحب البساط محلياً ويبدأ رحلته الأوروبية.
ويعتمد الفريق على الهوية المحلية، بتشكيلة تضم 19 لاعباً من أصل 25 لاعباً، في سياسة واضحة هدفها تطوير المواهب أو صقل خامات واعدة وبيعها بذكاء.
وأكبر صفقة كانت انتقال الدنماركي ألبرت غرونباك إلى رين مقابل 15 مليون يورو في 2024، ومر على الفريق أيضاً فيكتور بونيفاس قبل انتقاله إلى باير ليفركوزن، وجينس بيتر هاوج الذي ارتدى قميص ميلان قبل أن يعود إلى النرويج، والآن تلمع جوهرة جديدة هي ميكيل برو هانسن (17 عاماً)، مشروع صفقة قياسية قادمة.
ولكن خلف تلك المعجزة، اسم غير مألوف في كرة القدم، وهو بيورن مانسفيرك، ضابط سابق في سلاح الجو النرويجي، وانضم عام 2017 بعد الهبوط مباشرة، ليس كمدرب تقليدي، بل باني ثقافة فريق.
ويقول المدرب: «أن تكون لاعب كرة قدم أصعب من أن تكون طياراً مقاتلاً»، ويعتمد المدرب على فلسفة بسيطة، وهي التعامل مع الضغط كما لو كان مهمة عسكرية، وشعاره «تدرّب كما لو كنت ستنافس»، والنتيجة.. فريق بلا خوف، تركيز أعلى، انسجام أقوى، وتوتر أقل.
وفي ملعب يتسع لثمانية آلاف متفرج فقط، صنع بودو/غليمت أسطورته في 2022، حسب تقرير نشرته صحيفة «آس» الإسبانية، عندما سحق روما بقيادة جوزيه مورينيو بنتيجة 6-1، في ليلة دخلت التاريخ، ومنذ ذلك الحين، صار السفر إلى بودو أشبه برحلة إلى «الجحيم الأصفر».
وبلغ نصف نهائي الدوري الأوروبي في 2025، وها هو اليوم يربك حسابات الكبار مجدداً، وفي الشوارع، يحتفل المشجعون بفرش أسنان صفراء، رمز ثقافي طريف تحول إلى شعار تحدٍّ.
ويقول عمدة المدينة أود إميل إنجبريجتسن: «نحن مدينة رياح عاتية، نواجه التحديات بشجاعة، وهذا بالضبط ما يفعله الفريق، فهو يواجه أوروبا بلا رهبة، وبميزانية متواضعة، لكن بإيمان صلب كجليد الشمال، وفي بودو، الحياة أصعب من دوري الأبطال، ولهذا لا شيء يبدو مستحيلاً».
