تعتبر كرة القدم في السودان المتنفس الوحيد والموحد لوجدان الشعب السوداني عبر عقود من الزمان، وبالرغم من أن التاريخ يذكر بفخر حقبة توجت بفوز المريخ بكأس الكؤوس الأفريقية عام 1989 وقبله حصوله على عدد من الألقاب الإقليمية على كأس شرق ووسط أفريقيا، ووصول الهلال لنهائي أبطال أفريقيا مرتين (1987 و1992)، إلا أن الواقع الكروي دخل بعدها في نفق من الغياب الطويل عن منصات التتويج والمراحل النهائية للبطولات الكبرى.
واليوم في ظل ظروف استثنائية وتحديات جسيمة فرضها توقف النشاط المحلي، تعيش جماهير الكرة السودانية حالة من الترقب المشوب بالأمل، حيث تتجه الأنظار بلهفة نحو الهلال في مشاركته الحالية بدوري أبطال أفريقيا لعام 2026، إذ إن هذا الانتظار ليس مجرد ترقب لنتائج كروية، بل هو تطلع لاستعادة الهيبة المفقودة وكسر حاجز العقود العجاف، حيث يمثل الهلال في هذه النسخة طوق النجاة والحلم المتبقي لإعادة العلم السوداني مرفرفاً في الأدوار النهائية لبطولات القارة السمراء.
وفي هذا التقرير نستعرض ملامح هذا الغياب الطويل، وأسباب العودة المؤجلة لمنصات التتويج منذ عام 1989، مع تسليط الضوء على التحديات البنيوية والإدارية، والحلول الناجعة لاستعادة الكرة السودانية عافيتها وقوتها المعهودة.
واقع الإخفاقات والمحصلة الصفرية
رغم وجود بعض الومضات التي لم ترقَ لمنصات التتويج، إلا أن المحصلة ظلت صفرية في الألقاب الكبرى فعلى مستوى الأندية ظل الوصول لدور المجموعات هو السقف المتكرر، مع تقدم استثنائي للهلال لنصف نهائي دوري أبطال أفريقيا أربع مرات أعوام 2007، و2009، و2011، و 2015، فضلاً عن وصوله لنصف نهائي الكونفيدرالية في 2010 و2012، بينما تأهل المريخ لنصف نهائي دوري الأبطال عام 2015، غير أن الأندية السودانية لم تنجح في بلوغ أي مباراة نهائية قارية منذ نهائي 1987، و1992، وعلى مستوى المنتخب كان أبرز إنجاز هو الوصول لربع نهائي كأس الأمم الأفريقية 2012 وفي عام 2025، حقق المنتخب «إشراقة» استثنائية بتأهله لنهائيات أمم أفريقيا بالمغرب وتصدره لمجموعته في تصفيات كأس العالم 2026 لفترة من الوقت وهو ما يمثل بارقة أمل لكسر حاجز الإخفاق المستمر منذ عقود.
أسباب التراجع الكروي
تتداخل عوامل عدة سياسية وإدارية وفنية لتفسير هذا الركود الطويل، إذ عانت الأندية والاتحادات من تدخلات الأنظمة السياسية المتعاقبة (منذ يونيو 1989)، مما أضعف استقلالية القرار الرياضي وحول الملاعب أحياناً لساحات صراع سياسي، فضلاً عن انهيار البنية التحتية حيث تفتقر الكرة السودانية للملاعب والمرافق الرياضية الحديثة، وأيضاً غياب الأكاديميات والمراحل السنية إذ يعتمد النظام الكروي على المواهب الفطرية دون تخطيط علمي، حيث يغيب نظام الأكاديميات المؤهلة للاعبين من الناشئين للشباب وصولاً للمنتخب الأول.
النزاعات الإدارية
تعتبر النزاعات الإدارية وتجميد النشاط من مسببات إخفاقات كرة القدم السودانية، حيث شهد السودان أزمات إدارية أدت لتجميد نشاطه من قبل (فيفا) على غرار أزمة عام 2017، مما تسبب في استبعاد الأندية من البطولات القارية في مراحل حاسمة، كما تبرز الأزمات المالية كعامل سلبي بالنظر لضعف الاستثمار الرياضي ونقص الدعم المالي للمنتخبات الوطنية ما يعيق قدرتها على التنافس الدولي وتوفير معسكرات إعداد قوية.
الحلول لاستعادة العافية
لاستعادة كرة القدم السودانية على مستوى المنتخب والأندية هيبتها القارية، لابد من توفر عوامل عدة مساعدة مثل الاحتراف الخارجي وتطوير المواهب وتشجيع اللاعبين السودانيين على الاحتراف في دوريات أقوى لرفع مستوى الجاهزية الفنية، على أن يرافق ذلك إنشاء مشاريع لإعادة تأهيل ملاعب المريخ والهلال والمدينة الرياضية لضمان خوض المباريات داخل السودان بدلاً من اللعب خارج الأرض.
استقلال الإدارة
ينبغي أيضاً إبعاد التدخل الحكومي المباشر عن شؤون الاتحاد السوداني لكرة القدم وضمان إدارة فنية محترفة بعيدة عن المحاصصات السياسية، والاهتمام بالمراحل السنية وإلزام الأندية الكبرى بإنشاء أكاديميات تحت إشراف مدربين مؤهلين وتفعيل دوريات الشباب بانتظام، ومن المهم الاستفادة من إشراقة 2025/2026 والبناء على النجاحات التي حققها المنتخب الوطني في تصفيات كأس العالم وأمم أفريقيا لخلق جيل جديد يكسر حاجز نقص الخبرة في الأدوار النهائية.
