هم فاكهة مدرجات وملاعب الساحرة المستديرة، أصحاب الزي الغريب المزين بكل ألوان الفرح والسعادة.. وجوه تطل على الجميع من خلف الشاشات، صديقة للكاميرات وقريبة للقلوب، قادرة على إسعادك حتى لو كنت المنافس، لا تقيدها نتيجة مباراة أو قرار حكم.. بعيدة كل البعد عن حسابات الثلاث نقاط والفوز والخسارة.. فقط قررت التشجيع حباً لألوان علم بلادها وعشق الساحرة المستديرة وطلة المدرجات مع المشجعين.. مبولادينغا وعلي السباعي وبشير المنوبي والظلمي.. وجوه خالدة على مدرجات وملاعب «الكان».
حكاية تمثال
كأس أمم أفريقيا «المغرب 2025».. فرض اسم «لومومبا» حضوره بقوة داخل البطولة، بعدما تحول إلى رمز أعاد تسليط الضوء على المعنى الحقيقي لكرة القدم، بوصفها مساحة للمشاعر. أصبح المشجع الكونغولي ميشال كوكا مبولادينغا أيقونة كأس أمم أفريقيا لكرة القدم المغرب 2025، بطريقته المميزة في تشجيع منتخب بلاده واقفاً مثل تمثال طوال المباريات، لتجسيد أحد أبرز رموز مكافحة الاستعمار في أفريقيا بطل التحرير الكونغولي باتريس لومومبا، رافعاً قبضته في الهواء كإشارة معروفة ارتبطت بخطابات ومواقف الثائر «لومومبا» السياسية، في تعبير صريح عن الانتماء الوطني، لتتحول اللقطة سريعاً إلى حديث مواقع التواصل الاجتماعي، في لقاء منتخب بلاده أمام الجزائر، وصل مبولادينغا، إلى ملعب مولاي الحسن بالرباط استعداداً لتشجيع فريقه بطريقته الخاصة، طوال المباراة بقي واقفاً مثل صنم رافعاً ذراعه اليمنى مع فتح راحة اليد ومركزاً بصره نحو السماء، مرتدياً بذلة أنيقة بألوان فاقعة.. يومها تناقلت وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي فيديو للمشجع الشهير وهو يسقط بعدما أيقن أن منتخب بلاده خسر المباراة بالهدف القاتل أمام الجزائر، ثم بدت دموعه الحزينة.
الشيخ علي
المصري علي السباعي أو الشيخ علي، مواليد مدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية 1956، أحد العلامات البارزة في تاريخ التشجيع المصري، وأول محترف تشجيع، رحمه الله، عرفته الملاعب العربية والأفريقية، بعد أن ذاع صيته كقائد للجماهير بطربوشه وزيه الأزهري «الكاكولا والعباءة».. وكان يرافقه دائماً «عوده» الذي يعزف عليه الألحان الكروية، بدأ المصري علي السباعي مشجعاً ناديه المفضل الأهلي المصري.. قبل أن ينتقل للتشجيع الدولي.. سواء مع الأهلي في بطولاته الخارجية، أو المنتخب.
الزي الأزهري الذي كان يرتديه علي السباعي كان ملفتاً للنظر لما له من قدسية خاصة بعلماء الأزهر فما بالك وتراه الجماهير بينها في مدرجات الكرة ممسكاً عوده الشهير ومشجعاً لاعبي ناديه أو منتخب بلاده، وقت ظهوره أثيرت أزمة وطالبت بعض الآراء بمنعه من ارتداء الزي الأزهري قبل أن تهدأ العاصفة من حوله بعد أن بدل العمامة بالطربوش ويستمر في التشجيع ومؤازرة منتخب مصر.
بدأت رحلته مع منتخب مصر في مونديال 90 بإيطاليا، عندما سافر لتشجيعه أثناء المونديال، وعقب استقراره في أمريكا كان يرافق منتخب مصر في كافة نسخ كأس أمم أفريقيا وأصبح أحد الوجوه المألوفة في المدرجات وعلى شاشات التليفزيون.
توقف العود
في العام 2009 توفي المشجع المصري الشهير علي السباعي إلى رحمة الله تعالى عن عمر يناهز 53 عاماً بعد صراع طويل ومرير مع المرض، والذي منعه من تشجيع المنتخب المصري ومرافقته للمرة الأخيرة في بطولة كأس القارات الأخيرة، كان معروفاً لدى الجميع خصوصاً في الأوساط السياسية والرياضية، وكانت له علاقات كثيرة تجعله دائم السفر مع المنتخبات، وفي أماكن وجود الجاليات العربية في كل مكان في العالم.
يذكر أنه في يناير من العام 2003 كتب الكاتب الصحافي الكبير أنيس منصور في عموده اليومي بـ«الأهرام»، عن علي السباعي: «هذا هو أشهر مجهول في مصر، وقالوا له لا يصح يا شيخ «علي» أن تسخر برجال الدين، والرجل لم يكن ساخراً، فخلع العمامة، وارتدى الطربوش، ولم يتوقف عن زغزغة العود في الملاعب المصرية وهو يقف على رأس طابور طويل هو أوله وليس آخره يهتف باسم مصر ويغني بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي، شكراً يا شيخ علي».
فنان الكاميرا
بشير المنوبي هو مصور تونسي ولد سنة 1930 وتوفي يوم 24 نوفمبر سنة 2005. قام بتغطية العديد من البطولات العالمية في مختلف دول العالم من بينها 10 دورات لكأس الأمم الأفريقية، كان بطل تونس في الملاكمة عام 1958، وتعد دورة الألعاب الأولمبية بروما سنة 1960 الانطلاقة الحقيقية التي أعلنت عن ولادة أشهر مصور تونسي وأشهر وجه يرافق «نسور قرطاج» في كأس أمم أفريقيا، تميز بارتدائه القبعة المكسيكية الشهيرة الكبيرة التي تغطي رأسه والمرصعة بعلم تونس، وبدلته الموشحة بآلاف الشعارات والبطاقات لمختلف البطولات التي قام بتغطيتها، آخر ظهور له في 6 أكتوبر 2005 خلال المباراة المؤهلة بين تونس والمغرب لنهائيات مونديال ألمانيا 2006، رافق المنتخب التونسي منذ أن بدأ التصوير في جميع مبارياته، ولم يذكر أن تم منعه من ارتداء تلك البدلة الرمزية ذات النياشين وبطاقات دخول الملاعب والمراكز الصحفية، وتلك القبعة المكسيكية المزينة بعلم تونس، والتي تحمل دلالات الحضارة والسياحة والتاريخ لبلاده إلا مرة واحدة فقط منعوه من ارتدائها وذلك خلال كأس العالم لكرة القدم في فرنسـا سنة 1998 وذلك لأسباب أمنية حسب ما قالته وقتها اللجنة المنظمة.
الظلمي وفاريا
ملامحه المغربية وشعره الطويل المجعد وأسلوبه غير النمطي، وبدلته العسكرية بغطاء الرأس ولون علم المغرب الأحمر والأخضر، تركيبة تلفت الأنظار داخل أي ملعب كرة، يقارنه الجميع عن صواب أو خطأ بأسطورة كرة القدم المغربية الراحل عبد المجيد الظلمي، مهما كانت الظروف يتواجد في الملاعب لتشجيع «أسود الأطلس» بحالة عشق، نور الدين فلاح أو «الظلمي» المشجع الأشهر للمنتخب المغربي حالياً في مدرجات «الكان 2025»، شاهداً على أجمل انتصارات الكرة المغربية وتحديداً خلال كأس الأمم الأفريقية 2004 في تونس.. عاشق نادي الجيش الملكي يحكي أن لقب «الظلمي» منحه إياه الراحل خوسيه مهدي فاريا مدرب المنتخب المغربي في كأس العالم 1986 بالمكسيك والذي حضرها من المدرجات، بدأت علاقته بتشجيع المنتخبات الوطنية منذ 1970، والبداية كانت في مباراة بين الجيش الملكي ونهضة سطات في الدوري المغربي.
46 عاماً في عشق منتخب المغرب ومدرجات كأس أمم أفريقيا.. ومازال يتذكر لأول مباراة للتأهل لكأس الأمم الأفريقية 1976، مروراً بكأس أفريقيا الشهيرة في نسخة تونس، الآن وعلى مدرجات نسخة 2025 ببلاده المغرب مازال يحلم بنسخة أخرى تضاف إلى خزائن «أسود الأطلس»، وينتظر فوز المنتخب المغربي بكأس 2025 بعد تخطي منتخب نيجيريا في نصف النهائي ومقابلة الفائز من مصر والسنغال.. ورغم صعوبة المهمة لن يتوقف عن الحلم ولن يتوقف عن التشجيع.
