مثلما قيض للمخرجات أن تعتمد على المدخلات وللنتائج أن ترتبط بالأسباب، فقد قيض للتعب أن يكون سبيلا للراحة، وللزرع الطيب أن يكون ثمرة للغرس الطيب. ولقد عبر شاعرنا العربي أيما تعبير وهو ينشد:
وإذا كانت النفوس كبارا
تعبت في مرادها الأجسام
ولقد قيل في المأثور: من جد وجد، ومن سار على الدرب وصل.
يحلو الاسقاط هنا على شبابنا الرياضي المبدع والخلاق، والإسقاط مفهوم فلسفي يجمع بين القياس على ما يلزم لبلوغ اللزوم فيما يلزم. بمعنى أن ما يتصببه الإنسان الرياضي من عرق يفيض من جسمه ليس فقط لانتفاء حاجة الجسم إليه، إنما ليسقي به وبأملاحه شجرة العطاء اللازمة، لما يلزم الإنسان في ظل وثمر وأوراق وارفة. وبتفسير أبسط للمعنى: يشارك الرياضيون وفق المبدأ الأولمبي الشهير (المشاركة قبل الفوز) .. ليشتمل المعنى على المشاركة والسعي إلى الفوز. فإذا كانت المشاركة شرطا أساسيا للفوز، فإن الخير ليس نتيجة حتمية في الشكل، وإنما نتيجة أكيدة في الجوهر والمضمون.
وإذا كان للمجتمع حق معلوم على أبنائه الرياضيين في الأداء والحضور والإبداع، فمن حق الرياضي المبدع على مجتمعه أن يمنحه (فرصة مميزة)، ولنسميها (منحة التفوق الرياضي) .. ولها اسم محفور في الأذهان قوامه الوفاء والعرفان. من هنا يطرح "البيان الرياضي" مبادرة عبر صفحاته .. مبادرة (منحة التفوق الرياضي) للمتفوقين رياضياً.
الأهداف .. (القريبة)
ثمة أهداف (قريبة) وأخرى (بعيدة)، مرجوة في هذه العملية التي تعني بتوفير (الفرصة) للرياضيين المبدعين في حقل التعليم والتعلم.
ومن أبرز الأهداف القريبة ما يلي:
1) تمكين الرياضيين من استكمال الدراسة الجامعية في مختلف التخصصات المواتية لهم والمواتين لها، وهو حق شخصي للاعب وحق عام لهذا القطاع من فئات المجتمع.
2) فتح آفاق التحصيل العلمي أمام المتفوقين علميا أسوة بتفوقهم الرياضي، وهو تحصيل لا يقتصر على التخصصات الرياضية وإنما يشمل التخصصات الأخرى، علمية كانت أم أدبية.
3) التعويض ولو بشكل نسبي عن (الوقت الضائع) الذي يخسره اللاعب المبدع من التحصيل العلمي مقابل أن يكسبه في التدريب والإعداد والتأهيل، وذلك بمنحه بعض درجات التفوق لهذا النشاط وإضافته لمجموعه التنافسي في البحث عن مقعد جامعي.
4) دعم وتشجيع القطاع الشبابي والرياضي باعتباره قطاعا يساهم في بناء الأجيال الجديدة وليس باعتباره حملا زائدا عن حاجات المجتمع.
5) المساهمة في إعداد الكادر الشبابي الرياضي المتخصص في الجامعات والمعاهد تلبية لحاجة التنمية الوطنية والبشرية في هذه الفئة المهمة، وبالتالي رفد كليات التربية الرياضية بشكل خاص بالكادر المستعد فنيا ونفسيا وجسديا لهذه الغاية.
6) ضمان مستقبل هذا اللاعب من الناحية العلمية والعملية لاسيما وأن اعتزاله اللعب أمر حتمي لا بد أن يقترن بفتح أفق جديد مهني وعلمي لهذا اللاعب.
أهداف بعيدة
أما من حيث الأهداف البعيدة التي تستشرف آفاق المستقبل لهذه العملية وتسخرها في خدمة الاهداف العامة للمجتمع فهي لا تقل أهمية عن الأهداف القريبة، فالأهداف القريبة يغلب عليها الطابع الفردي، والحق الشخصي، ولكن الأهداف البعيدة تتعلق بالأهداف الوطنية الجامعة للمجتمع كله، وهو ما يخلق التوازن والترابط والتكامل مع الأهداف القريبة آنفة الذكر. وفيما يلي أبرز الأهداف البعيدة المتوقعة من هذه العملية:
1) إن رفد المجتمع بالكوادر الوطنية المتخصصة يحافظ على ديمومة وتطوير عملية التنمية الوطنية والبشرية.
2) إن مساعدة الشباب الرياضي على خوض التنافس العملي في الجامعات والمعاهد يضفي على المجتمعات في هذه الأماكن صفة الحيوية الدائمة والجهود الدؤوبة ويغذي قيمة التنافس الشريف في مساحات العلم أسوة بساحات الشباب والرياضة.
3) الاستفادة من إمكانيات الدولة والمجتمع في احتضان هذه الشريحة الواسعة من قطاعات المجتمع، لاسيما بالنسبة لعدد كبير من الشباب واللاعبين غير القادرين على دفع الفاتورة بما يساهم في تكامل المجتمع ويوظف إمكانيات الدولة في الاتجاهات الصحيحة.
4) الحصول على مخرجات نوعية من شبابنا الجامعي وليس فقط على المخرجات الكمية، لأن الشباب الرياضي المسلح بالعلم وهو رافعة علمية ورافعة نوعية تقوي مفاصل المجتمع وتنهض بشبابه.
5) تعزيز مكانة العلم والعلماء .. وتشجيع الشباب على سلوك دروب العلم، وتذليل العقبات من طريقه.
المفاهيم والشروط
كل من يلعب .. يكسب، فمن يمشي أيا كانت خطواته، ومن يركض أيا كانت مسافاته، ومن يركل الكرة أيا كانت مهاراته، ومن يهاجم ويدافع أيا كان مستواه وعطاؤه سوف يكسب. والكسب هنا مشروع ومتاح .. إنه الفوز بكل أشكاله.
هذا الكلام يدخل ضمن حيز (الرياضة للجميع) .. وهو مفهوم انساني شامل، وشرط أساسي من شروط الصحة العامة، والنفس البشرية التواقة لصحة أجمل وحياة أفضل، ورياضة لجميع الأعمار والفئات وفي كل الظروف والساحات والميادين.
لكن ما نحن بصدده هنا، لا يتعلق بمفهوم الرياضة للجميع بل مفهوم الرياضيين المبدعين، المتفوقين في الميدان، وبشروط خاصة بكل واحد منهم، وشروط عامة تحيط بهذه الفئة الرياضية المميزة، ومن هذه المفاهيم والشروط:
1) مفهوم التميز: يعني هذا المفهوم بلاعبي ونجوم المنتخبات وفرق الأندية، وفي مختلف الألعاب الرياضية الجماعية والفردية .. ومن ذلك: التميز كلاعب منتخب وطني، التميز كصاحب رقم رياضي متفوق، والتميز كصاحب زمن قياسي متفوق.
2) مفهوم التفوق: يقصد به التفوق الرياضي مقرونا بالتفوق العلمي.
3) مفهوم التميز الفريد.
4) مفهوم التميز الخاص.
5) مفهوم النجاح.
وبذلك نحن بصدد شريحة مهمة من شرائح المجتمع، وهذه الشريحة مهيأة لتقدم لنا مجموعة كبيرة من الشباب الرياضي المستعد لمواصلة السير في دروب العلم في كافة التخصصات إذا ما أخذ بيده ومنحت له الفرصة.
ومع ذلك لابد من توفر مجموعة من الشروط العامة في هذه الفئة ومنها:
1) أن يكون عضوا فاعلا ومعطاء في منتخب بلاده.
2) أن يتحلى بالروح الرياضية وحسن السلوك.
3) أن يتصف بالإبداع وأن يشهد له بالكفاءة.
4) أن تكون مدة عطائه جيدة من حيث الفترة الزمنية والجهد الدؤوب.
5) ألّا يكون له فرصة أو منحة جامعية أو علمية أخرى في سبيل التحصيل العلمي.
6) الالتزام بالقوانين والأنظمة المعمول بها في الدولة والمجتمع.
النظم والقوانين
تستحق عميلة الرعاية العلمية للمتفوقين رياضيا الكثير من الاهتمام ليس فقط من حيث توفير الإمكانيات والظروف وفتح الآفاق، ولكن من حيث التنظيم وسن القوانين، حتى يتسنى لكل ذي شأن أن يعرف ما له وما عليه ومن هذه الأنظمة والقوانين:
1) نظام الرعاية العلمية: الأهداف والأساليب
2) نظام التفوق الرياضي: الإنجازات والفئات العمرية.
3) نظام المقاعد الجامعية للمتفوقين: نسبة المقاعد في كل تخصص.
4) نظام التنافس (الدرجات، الفئات، نماذج التنافس، التصديق المطلوب من الجهات المعنية).
5) نظام الالتزام:
أ- التزامات اللاعب.
ب- التزامات وزارة الرياضة والشباب أو هيئة الشباب.
ت- التزامات وزارة التعليم العالي.
ث- التزامات الجامعات والمعاهد.
6) القوانين المطلوبة:
أ) قانون حكومي.
ب) قانون الجامعات.
ت) قانون التمويل.
الاختبارات التمهيدية
لا شك أن الاختبارات التمهيدية شرط أساسي من شروط تلبية هذه العملية، ولهذه الغاية لابد من تشكيل لجنة متخصصة من مختلف الجهات المعنية بعملية الترشيح والقبول والاعتماد برئاسة شخصية اعتبارية ومؤلفة من ممثلي الجهات المعنية وأهمها:
إن أهمية الاختبارات النظرية والعملية تكمن في اكتشاف الفوارق الفردية بين الرياضيين الراغبين في البحث عن مقعد جامعي في هذا التخصص أو ذاك، كما إنه شرط ضروري من شروط التنافس والشفافية، بحيث يتم تسكين الطلبات المتقدمة في مواقعها المستحقة.
إن اكتشاف الفروق الفردية يمنح الفرصة للتمايز ويمنح الأولوية لجدارة النجوم واللاعبين بالمقاعد المطلوبة.
التصنيف والفرز
لا شك أن طلبات كثيرة سوف تطرق أبواب (لجنة القبول والتسجيل)، أو لجنة إعداد اللاعبين المتفوقين والمبدعين أو سمها ما شئت من اللجان الضرورية لمثل هذه الأمور.
بعض هذه الطلبات يلبي شروط (العملية) كاملا، وبعضها يلبي تلك الشروط (التعليمات) جزئيا وبعضها لا يخضع للرغبات ولا يخضع للشروط.
وهكذا فلا بد من التصنيف والفرز، ثم لابد من استكمال عملية التصنيف والفرز عن طريق سلم الدرجات (العلامات) لكي تكون هناك أولوية (الفرصة الأولى) ثم الاستحقاق الثاني ثم الاحتياطي في حال وجود الاستنكاف من قبل بعض النجوم أو اللاعبين.
الشفافية
إن هذه واحدة من أهم عناصر نجاح العملية قيد البحث، فالشفافية هي بالضد من الفساد وهي تعني:
لذا فإن كان (الفساد) آفة العصر وديدن النفس البشرية مع وجود التفاوت النسبي، فإن الحرص على الشفافية سيخلق الحد الادنى من السلوك الفاضل.