حققت ثورة 25 يناير أهدافها وتحول الحلم إلى واقع بشكل لم يتوقعه أشد المتفائلين حماسا، وعادت دماء الأمل تضخ في شرايين كانت قد تجمدت بالفعل، واحتفل معظم المصريين بالتغيير الذي كان بعيد المنال وسط أجواء مريرة شديدة القتامة.
نجح الشباب في انفجارهم المدوي وصمدوا أمام قوى الجمود ببسالة وإيمان بحتمية التغيير واستبدال المستقبل الغامض البغيض، بحياة أكثر تحررا وشموخا، ويدين الشعب بمختلف طوائفه وفئاته لهذا الشباب في التغيير»الحلم« الذي تحقق ونتمنى أن يكمل خطواته الأولى بنفس الصلابة والإيمان والإرادة، وسجل هؤلاء الثوار في أوراق التاريخ براعة حركتهم في تحطيم القيود النفسية التي جثمت على صدورهم لأكثر من ربع قرن، ولعلها تسجل كواحدة من أهم الثورات في التاريخ الحديث للشعوب لأنها انطلقت عفويا وبلا تخطيط أو قيادة واجتذبت الآلاف حتى أصبحوا ملايين وامتلكوا الإرادة والقوة لتحطيم جهاز الأمن الهش وأطاحوا بالحزب الحاكم الطاغية. وتدفعنا المخاوف للإشارة إلى إفرازات لا تبعث على الاطمئنان يجب التعامل معها بحذر بالغ حتى لا يتهدد تماسك المجتمع ونقصد ما يدور حاليا من ظواهر الانتقام وتصفية الحسابات مع من اختار الجانب الآخر ووقف بسلبية في وجه هذه الثورة، والخطر هو ما يحدث في الشارع من انتقامات ضد كل الذين عملوا مع النظام السابق وكل من ساندوه، ويقودها أفراد بهدف تصفية حسابات قديمة وتسديد فواتير شخصية، ونرى أنها إذا استمرت وتوسعت ربما تؤدى إلى شرخ في جدار المجتمع وتفرز تصنيفات خطيرة بين الناس، وأتذكر ما يسمى بظاهرة (المكارثية) التي تفشت في الولايات المتحدة الأميركية عام 1955، وسميت كذلك نسبة إلى جوزيف مكارثي عضو الكونجرس الذي قاد حملة انتقامية ممن اعتنق مذهب الشيوعية الذي كان متوهجا في ذلك الوقت.
وما يحدث في الشارع المصري ضمن تداعيات الثورة، إرهاصات للانتقام تلقي بظلالها على المجتمع فالموظف يشكو رئيسه في العمل، والجار يتهم جاره بمعاداة الثورة، وفى الساحة الرياضية تحول حسن شحاته وحسام حسن وميدو وشيكابالا واحمد حسن إلى متهمين يواجهون حملات عنيفة تستهدف النيل من وطنيتهم باتهامات تصل إلى الخيانة، ونشر ذلك في وسائل الإعلام، في الوقت الذي استشعر رياضيون الخطر وأعلنوا تأييد الثورة بعد أيام من اندلاعها، ولحق أبوتريكة نفسه في اليوم الأخير وشارك مع الشباب في أداء صلاة الجمعة بميدان التحرير ليوقف اتهامات إعلامية بعدم التعاطف مع الثوار.
المجتمع بدأ يشعر بجسامة ظاهرة الانتقام المنتشرة في كل الدوائر والمؤسسات وحتى داخل المنزل الواحد، يجب التوقف فالجميع أبناء هذا الوطن وشركاء في الماضي والحاضر والمستقبل.
كلمة أخيرة
الانتقام سلوك لم يعرفه مجتمعنا المعروف بتسامحه وطيبته وقبوله للرأي الآخر والثورة هدفها التغيير وليس الانتقام ولا يجوز توجيه اتهامات مشكوك في نواياها فما يحدث مؤشر بالغ الخطورة، وبارك الله في أبناء هذا الوطن.