صباح السبت 3 يناير من العام 2026.. خبر في غاية الأهمية تناولته كافة وسائل الإعلام في العالم أجمع.. الولايات المتحدة الأمريكية تُلقي القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس بقصر ميرافلوريس في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، حيث أطل الزوجان مرتديين سترة رياضية، وهما يلوحان بيدهما اليمنى أمام الكاميرا، تلك الصورة أحدثت صدمة على كافة المستويات الإنسانية والسياسية في العالم أجمع.. حيث نقلا بعد ذلك إلى مكاتب تابعة لإدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، ثم إلى سجن «ميتروبوليتان ديتنشن سنتر» في بروكلين، بحسب ما أفادت وسائل إعلام أمريكية عدة وفي هذا المركز نفسه احتُجز مغني الراب «بي. ديدي» مؤخراً طوال فترة محاكمته.. وبعيداً عن التوغل في تفسير كل ما حدث من خلال طرح التأويلات السياسية أو الآراء الاقتصادية في أسعار براميل النفط وسبائك الذهب ما بين الدولتين.. يطل علينا وجه نيكولاس مادورو عاشقاً لكرة القدم كعادة سكان أمريكا الجنوبية قارة الموسيقى والصراعات السياسية وعشق الساحرة المستديرة.



برشلونة في القلب

نيكولاس مادورو مواليد 23 نوفمبر 1962 في كاراكاس عاصمة فنزويلا، لعائلة من الطبقة العاملة، علاقة رائعة ربطته بكرة القدم، منذ البدايات الأولى كان متابعاً للمباريات بشغف، متأثراً بتفاصيلها ونتائجها كما يفعل أي عاشق للعبة من المدرجات أو خلف شاشات التليفزيون، نُشرت له العديد من الصور وهو يلعب الكرة مع الأطفال، لكن العمل السياسي والنقابي أخذاه من عالم الساحرة المستديرة، لكنه ظل متابعاً له رغم المسؤوليات والصراعات على المناصب، مادورو من المشجعين الأوفياء لنادي برشلونة الإسباني، كما ذكرت صحيفة «سبورت» الكتالونية في إحدى إصداراتها، ولم يكن يخف هذا الانتماء، بل عبر عنه في العديد من المناسبات، سواء بالظهور مرتدياً قميص الفريق باللونين الأحمر والأزرق، أو بتصريحات مباشرة أظهر فيها إعجابه بتاريخ النادي الكتالوني ولاعبيه.. وفي عام 2020، ظهر مادورو في مقطع مصور وهو يمازح الصحفيين قائلاً: تلقيت عرضاً من أجل الانضمام إلى برشلونة فريقي المفضل، وأفكر في قبول العرض ربما سأنضم للفريق كلاعب احتياطي.. كانت مزحة وضحك لها الجميع، لكنها حملت بين طياتها حقيقة واحدة، وهي أن الرجل يرى نفسه مشجعاً وعاشقاً لكرة القدم.

في المقابل، كان من المعجبين بالبرتغالي كريستيانو رونالدو لاعب ريال مدريد في تلك الفترة، وشبه مادورو وقتها قدرات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين السياسية بمهارات كريستيانو رونالدو في كرة القدم، مشيراً بذلك إلى تأثره بالنجوم الرياضيين حتى في تقييمه السياسي لكل ما يدور حوله.



مارادونا والسياسة

دييغو أرماندو مارادونا.. الأرجنتيني القصير أفضل من لمس كرة القدم.. الثائر الخفي والذي اعتاد دوماً على صداقة كافة الرؤساء المعادين للسياسات الأمريكية دون خوف.. صادق كاسترو وشافيز ورسم وشم بصورة جيفارا على ذراعه دون خوف.. أسطورة كرة القدم المعروف باهتمامه العلني بالشأن السياسي، وتدخله المتكرر في القضايا العامة، حيث لم يتردد في التعبير عن مواقفه وآرائه خارج حدود المستطيل الأخضر.. علاقة قوية جمعت بين مادورو ومارادونا، خلال فترة تدريب الأخير لنادي دورادوس دي سينالوا المكسيكي بين عامي 2018 و2019، ظل مارادونا وفياً لشخصيته الصدامية ومواقفه السياسية المعلنة، ففي إحدى المباريات، وبعد تحقيق فوز مهم مع فريقه، فاجأ الجميع بإهداء الانتصار علناً إلى نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا.

وجاء هذا الإهداء في وقت كانت فيه البلاد تعيش واحدة من أعنف أزماتها السياسية والاقتصادية، وسط ضغوط دولية وعقوبات أمريكية ومحاولات لعزل مادورو دبلوماسياً، واعتراف واشنطن بالمعارض خوان غوايدو رئيساً مؤقتاً للبلاد.

علاقة قديمة

الإهداء كان امتداداً لعلاقة سياسية وفكرية قديمة ربطت مارادونا بقادة اليسار في أمريكا اللاتينية، وعلى رأسهم الراحل هوغو تشافيز، ثم مادورو من بعده، حيث اعتبر مارادونا ما يحدث في فنزويلا «حرباً سياسية واقتصادية على شعب فقير». ولم يكتف الأسطورة الأرجنتينية بذلك، بل شن هجوماً مباشراً على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منتقداً سياساته تجاه أمريكا اللاتينية، ومتهماً إدارته بمحاولة فرض الهيمنة و«تركيع الشعوب» عبر العقوبات والضغوط السياسية.

تصريحات خرجت عن الإطار الرياضي تماماً، وأُطلقت من منصة كروية رسمية بعد مباراة في دوري الدرجة الثانية المكسيكي، ما أشعل جدلاً واسعاً داخل الوسط الرياضي، ووضع الاتحاد المكسيكي لكرة القدم في موقف حرج، قبل أن يقرر لاحقاً تغريم مارادونا ماليًا، استنادًا إلى لوائح تمنع خلط السياسة بالرياضة.

وأصبح نيكولاس مادورو طرفاً غير مباشر في واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل خلال المسيرة التدريبية لمارادونا، واقعة أعادت التأكيد على أن الأسطورة الأرجنتينية لم يفصل يوماً بين كرة القدم ومواقفه السياسية، وأن حضوره خارج الخطوط ظل ممتداً إلى قضايا اعتبرها جزءاً من هويته. وفي 2017، ظهر مادورو يلعب كرة القدم مع أسطورة الأرجنتين دييجو مارادونا في كاراكاس، وقدم له قميص المنتخب الفنزويلي رقم 10، ما يعكس ارتباطه الكبير بيوميات الرياضة.



أنا وميسي

الأرجنتيني الآخر ميسي.. لاعب لا يجود الزمن بمثله كثيراً.. في 5 أغسطس 2021، يُعلن برشلونة رسمياً رحيل ليونيل ميسي بعد 17 عاماً من التألق، في خطوة صادمة لعشاق النادي حول العالم، قرار الانفصال لم يكن فنياً بل مالياً، إذ حالت قواعد اللعب المالي النظيف في «الليغا» دون تسجيل عقده الجديد، رغم موافقته على تخفيض كبير في راتبه. ترك ميسي النادي وسط أزمة ديون تجاوزت مليار يورو، ما أجبر الإدارة على اعتماد سياسة تقشف صارمة.. الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عاشق برشلونة، خرج يبكي يومها على الهواء مباشرةً عند رحيل ميسي إلى باريس سان جيرمان، منتقداً رئيس النادي لابورتا ومجلس الإدارة حينها، معتبراً النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي رمزاً بارزاً للتألق والنجاح، هكذا خرج شغف مادورو بكرة القدم إلى العلن، بدمعة سقطت حين ودع ليونيل ميسي نادي برشلونة، مشهد بدا غريباً على رجل اعتاد الظهور بوجه صارم، لكنه كشف جانباً مختلفاً لم يكن حاضراً في الصورة الذهنية المعتادة لرئيس فنزويلا، تلك الليلة لم تكن مؤلمة لجماهير «كامب نو» وحدها، بل خرج مادورو نفسه متأثراً، معترفاً أن ما حدث ظلم لأسطورة قدمت كل شيء للنادي، وأن ميسي كان يستحق نهاية مختلفة داخل الملعب الذي صنع فيه تاريخه.