ـ كلما تعرضنا لخسارة موجعة على صعيد الأندية أو المنتخبات، نبدأ التفتيش في الملفات عن الأسباب التي تساعد على تبرئة الساحات، ونضعها في الإطار، ونغلفها بالعبارات التي تظهر حجم التأثيرات، وبذلك نمتص مشاعر الغضب وكأن شيئاً لم يحدث.

أقول هذا عطفاً على تصريحات كاتانيتش، مدرب منتخبنا الوطني، الذي صب جام غضبه على الجمهور وعزوفه عن حضور المباراة، واعتبره المسؤول الأول عن العرض الهزيل للمنتخب أمام أنغولا والخسارة بهدفين، حيث لم يتوافر الدافع للإجادة أمام اللاعبين، وأصابتهم المدرجات الخالية بخيبة أمل، وبالتالي كان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على الأداء والنتيجة، وتخرج بالصورة التي لم ترض أحداً.

ـ ونحن لا نختلف أبداً مع المدرب في أن الغياب الجماهيري دائماً ما يصيبنا بالدهشة وخيبة الأمل، وخاصة في مباريات المنتخبات الوطنية، وهو ما دفعنا - ولازلنا - إلى البحث عن الحلول التي يمكن أن تجذب الجماهير للمدرجات وتمنحها الحيوية المأمولة، والتي ستنعكس بطبيعتها على اللاعبين في ارض الملعب، وتمنحهم الحيوية التي تشعل الأداء حماسا. وهذا بلا شك أمر مسلم به، ولا يختلف عليه اثنان، ولكن هل من جديد في ذلك؟

وهل ما حدث في مباراة أنغولا مختلف عما حدث في مباراة تشيلي؟، فلماذا لعبنا أمام تشيلي بصورة أفضل من أنغولا، مع أن الجمهور تغيب في المباراتين؟!، من المؤكد أن هناك أسباب أخرى، بعضها مرتبط باللاعبين والبعض الآخر مرتبطة بحسابات خاطئة للمدرب تدخل في حساب المسموح، طالما أنها تجربة، وتقبل احتمالات الصواب والخطأ.

ـ وأقصد بذلك انه كان ينبغي على كاتانيتش أن يكون أكثر صراحة ووضوحا في كشف الأسباب وراء العرض الهزيل أمام أنغولا، حتى لو تعلقت بأخطاء من جانبه، وكنا سنحترمه أكثر لصراحته وأمانته، ولن نعلق له المشانق، لقناعتنا من الأساس بأنها مجرد تجربة ودية يسعى من خلالها المدرب إلى اختبار بعض الأفكار والمفاهيم والبدائل تحسباً لكل الاحتمالات في المباريات الرسمية، مع تأكيدنا على أن الغياب الجماهيري بالفعل محبط.

ـ قناعتي الخاصة أننا ندفع هنا ثمن الرفاهية التي نعيشها بسبب التكنولوجيا الرهيبة التي باتت تحيطنا في كل مكان، سواء كان مفتوحا أو مغلقا، والتي لا أغالي إن قلت إننا نتفوق فيها على الكثير من دول العالم التي لا يحظى فيها الفرد بفرصة الاستمتاع والاستفادة بمثل هذا القدر من وسائل الرفاهية التي أضاعت الزمن وجعلتنا أسرى إحساس بأن ما يتوافر أمامنا منه لن يكون كافيا لفعل كل ما نريد.

وبالتالي لدينا شعور دائم بمرور الوقت بسرعة اكبر من قدرتنا على اللحاق به، ولهذا السبب أصبح الكثيرون يفضلون الاكتفاء بمعرفة الخلاصة وهي النتيجة، أو متابعة المباراة عبر التلفزيون أو «اللابتوب» وهم يمارسون أعمالا أخرى مستفيدين من خدمة الاتصال بالأقمار الصناعية عبر شريحة صغيرة، وهم في أي مكان، وهكذا يمكنهم من فعل أكثر من شيء في وقت واحد، حتى وإن لم يكن على نفس القدر من الأهمية، وصدقوني إن لم نجبر أنفسنا على عمل وقفة مع الذات لمواجهة هذا الخطر فالقادم أصعب بكثير.

refaat@albayan.ae