نتواصل مع الذكريات التي يرويها الدكتور عيسى بستكي، نجل أول من احضر الكرة إلى البلاد عام 1928، حيث يقول إنه في إحدى المرّات ركل أحد اللاعبين الكرة بقوة فاستقرت في قمة نخلة، مما أدى إلى دخول شوكة لتفسد الكرة ويخرج منها الهواء فحاول .

والدي ورفاقه سد الثقب ولم يتمكنوا من ذلك ورغم كل محاولاتهم فإن الكرة كانت تفسد من جديد، للتوقف طموحاتهم وهواياتهم، وظلّوا من دون لعب الكرة أكثر من ستة أشهر وذلك حتى انتهاء موسم الغوص، إلى أن حان موعد سفر جدّي إلى الهند في مثل كل عام فصحب .والدي جدّه إلى هذه السفرة والتي نتذكر فيها شخصيات كثيرة من تجار اللؤلؤ أمثال محمد بن أحمد بن دلموك وسالم بن مصبح بن حمودة والحاج إسماعيل البقالي والحاج حسين بن مكي، وفور وصولهم إلى الهند، يقول الدكتور عيسى إن والده ذهب إلى السوق.

وقام بشراء لاصقات وبالونات تخص الكرة واشترى أيضاً بعض الحاجيات الخاصة التي تساعدهم عند أي مشكلة طارئة قد تحدث في الكرة كما حدث في المرّات السابقة حيث حرموا من اللعب نصف عام! وبالفعل نجحوا وعادوا بالكرة من جديد. .. وعن بدايات كرة القدم في الدولة التقيت الدكتور عيسى محمد عبدالرزاق بستكي في منزله بالجميرا، حيث تحدث عن ذكرياته العزيزة مع والده المرحوم محمد عبدالرزاق بستكي.. يقول الدكتور عيسى إن والده ولد في سنة 1916م (1334ه) في منزل عائلة عبدالرزاق عبدالرحيم بستكي الكائن في حي البستكية.

وهو من أقدم البيوت التي بنيت من الجص والمرجان في دبي وتم بناؤه في أواخر القرن التاسع عشر.. اعتاد المرحوم محمد عبدالرزاق أن يسافر مع والده التاجر في مواسم تجارية مختلفة.. وحين مارس والده عبدالرزاق تجارة اللؤلؤ، كانت له مواسم خاصة للسفر بالباخرة إلى الهند لبيع اللؤلؤ.. وكان والده يرافق أباه في هذه الرحلات التجارية، حيث كان يتعلم من أبيه أساليب ومهارات التجارة وتعاملاتها وكذلك يتمتع في زيارته للهند بالتعرف إلى ثقافاتها المتعددة..

فالهند معروفة بأنها بلاد العجائب.. فبجانب اطلاعاته وقراءاته المتواصلة والمتعمقة، اكتسب من هذه الرحلات مهارات عدة ومعلومات وافرة وتواصلاً مع موروثات غنية وعقول متفتحة وآراء مستنيرة..ت

بلورت شخصيته محمد عبدالقادر البستكي المتميزة في قالب من الإنسان المتواضع والرجل الرحيم والعبقري الفذ والمفكر البارز.. فأصبح ملماً بالأدب، يتحدث في الشعر وينتقد الكتب الأدبية العربية منها والأجنبية..

وأصبح ملماً بالعلوم، فيتحدث عن قوانين نيوتن والنظرية النسبية لآينشتاين وعلوم الفلك والكون وغيرها من العلوم الحديثة.. حبه للقراءة وسفراته الكثيرة جعلته يبرز بين أصدقائه وزملائه فكان مرجعاً في العلوم الدينية والدنيوية.. والحقيقة أنه لم يدرس إلا في مدرسة الأحمدية ـ أسست في عام 1912م ـ في مراحلها المدرسية الأربعة.

مع كل هذه الملكات في العلوم والآداب والثقافات كان مولعاً بالرياضة.. فقد كان سباحاً ماهراً ومعروفاً بين أقرانه.. ذلك أنه كبر وترعرع في بحر الخور وبحر الجميرا.. وكذلك كان مغرماً بألعاب القوى فبرع فيها أيضاً.. ولكن الأهم من كل هذه الرياضات في حديثنا هي رياضة كرة القدم.. إن قصته مع الكرة قصة تحتاج إلى وقفة وتستحق الاهتمام بها جل الاهتمام لما لها من الأثر الكبير في ولادة الكرة الإماراتية..

كما ذكرنا سالفاً، فإن محمد عبدالرزاق كان يسافر دوماً مع والده رحمه الله إلى الهند بعد الانتهاء من موسم الغوص في المنطقة كل عام وذلك لبيع حصيلته من اللؤلؤ بعد انتهاء موسم الغوص في كافة مناطق الخليج والمكوث هناك ما بين عشرين يوما وشهر..

كانت هناك سفينة تُبْحر من دبي إلى الهند وبالعكس كل خمسة عشر يوما.. في سنة 1928م حيث كان عمره آنذاك اثنا عشر عاماً، رافق المرحوم محمد عبدالرزاق بستكي أباه في رحلة بحرية إلى بومباي بالهند لبيع اللؤلؤ..

عندما كان في أحد الأسواق رأى محلاً يباع فيه كرة القدم.. فقد كان يسمع عن لعبة تسمى الفوتبال (الكرة) من أفواه شخصيات إنجليزية وهندية قاطنة في المنطقة وكذلك من أقربائه من البحرين الذين عرفوا الكرة قبل الإمارات بنحو عشرين عاماً..

وحبه للرياضة بصفة عامة جعله يتشوق لأن يمتلك كرة لنفسه.. عندما رأى الكرة معلقة في هذا المحل طلب من والده أن يشتريها له.. فاشتراها له بقيمة خمس روبيات.. فأتى بها إلى دبي لتكون أول كرة تدخل الإمارات وذلك في عام 1928م.

ما إن وصل إلى دبي أخذ الكرة وجرى فرحاً ليطلع أصحابه في الفريج عليها وقال لهم بأن هذه الكرة هي التي يسمونها «الفوتبال».. فقاموا ببناء العوارض وهي المرمى..

والطريف في الأمر أنهم لم يكونوا على علم ومعرفة بقوانين اللعبة.. فاتفقوا على قانون خاص بهم ومختلف عن القوانين العالمية.. وكان القانون الغريب هو أن يشارك كل واحد منهم في اللعب ويجري الجميع خلف الكرة ومن يخطفها ويسجل بها هدفا تحسب له نقطة والفائز هو الذي يسجل أكبر عدد من الأهداف..

وظلوا على هذا الحال إلى أن جاءهم شخص من البحرين يسمى عباس العضب الذي علمهم قوانين اللعبة وتقسيمات الفريق وكان لاعباً ماهراً بالنسبة لهم في ذلك الوقت..

وبفضله بدؤوا يلعبون الكرة حسب القوانين المتعارف عليها.. وصاروا يلعبون يومياً بعد الانتهاء من العمل في المحال التجارية وبعد انتهاء دوام المدارس.. فكانوا يلعبون من بعد صلاة الظهر إلى صلاة المغرب تتخللها صلاة العصر.

في البداية كان الفريق مكوناً من شباب فريج البستكية وهم ثمانية أشخاص ويذكر منهم اثنين وهما محمد عبدالرحيم كاظم وعبدالله نظري.. ومن ثم التحق بالفريق بعض شباب فريج البحارنة والشندغة والرأس أمثال أحمد بن علي البدري حيث كان أقدمهم ومن المؤسسين.

وخليل إبراهيم الفردان ومحمد هادي بدري ومحمود محمد صالح كاظم ومحمد عقيل بدري وكانوا يجتمعون في بيت صغير لعبدالله كاظم وكان يُعرف آنذاك ببيت أحمد آخوند الذي كان يعيش فيه بمفرده وكان بيته هذا مقراً الفريق.. وأما الملعب فكان في الساحة الرملية المقابلة لمنزله والممتدة إلى سيف البحر وغربي الملعب بيت الشيخ محمد شريف سلطان العلماء..

وفي حادثة طريفة أنهم بينما كانوا يلعبون الكرة ذات يوم إذ مر عليهم المرحوم الشيخ خليفة بن سعيد فقام بركل الكرة جهة البحر وقال: هذي قَبَّة إبليس وذهب وهو يضحك.. كان يقصد أن هذه الكرة تلهي الناس عن صلواتهم وأعمالهم وخاصة الشباب.. فدخل محمد عبدالرزاق البحر سابحاً فأخرج الكرة ليكملوا اللعب.

ومن المواقف الطريفة الأخرى أيضاً أنه في أحد الأيام والشباب يتسلون بلعب كرة القدم قام أحد اللاعبين بركل الكرة بقوة فاستقرت على قمة نخلة مما أدى إلى دخول شوكة (خوص النخل) فيها فخرج منها الهواء.. حاول أعضاء الفريق سد الثقب حتى يكملوا اللعب.. واستخدموا نوعاً من الصمغ لسد الثقب ثم حاولوا نفخ الكرة بالهواء باستخدام «البمب» ولكن دون جدوى..

وبعد محاولة النفخ بالهواء بدؤوا يلعبون بالكرة ولكن بعد ركلتين أو ثلاث كانت تفسد مرة أخرى!! فتوقفوا عن اللعب ولم يتمكنوا من لعب كرة القدم مرة أخرى إلا بعد مرور ستة أشهر حين انتهى موسم الغوص وبدأ تجار اللؤلؤ يستعدون للسفر إلى الهند لبيع حصيلة كل واحد منهم من اللؤلؤ..

وعندما حان موعد سفر والده اصطحبه معه في هذه السفرة.. وكان يرافقهما الكثير من تجار اللؤلؤ والذين يذكرهم جيداً هم محمد بن أحمد بن دلموك وسالم بن مصبح بن حمودة والحاج إسماعيل البقالي والحاج حسن بن مكي..

وفور وصولهم الهند سارع محمد عبدالرزاق إلى السوق وقام بشراء رقع لاصقة للتيوب (بالون داخلي للكرة) وكذلك اشترى تيوباً احتياطياً إضافياً للتيوب المرقع، حيث إنه إذا فسدت الكرة فإن التيوب الاحتياطي سيحل مكان التيوب المثقوب وبالتالي من الممكن تمديد فترة المباريات وحتى لا يحرموا من اللعب كما حدث في المرة الأولى.

وهكذا انتشرت لعبة كرة القدم.. وبدأ الشباب آنذاك يشكلون فرقاً تتبارى مع بعضها، إلى أن وصلنا إلى المستويات العالمية في يومنا هذا.. إن كرة القدم الإماراتية في الوقت الحاضر لها مكانتها المرموقة في الخليج وفي المنطقة.. وذلك لأن الدولة تبذل قصارى جهودها لتطوير الكرة الإماراتية وخلق روح التنافسية بين اللاعبين وترسخ المبدأ الاحترافي بين الفرق

أيام زمان

مباراة في كرة الطائرة تعود إلى بداية السبعينات من القرن الماضي وفي الصورة من اليسار إقبال عبدالله خوري وعيسى محمد بستكي في الوسط وعبدالله عبدالرحمن الشيباني وعبدالله عبدالكريم العارف وعبدالله طيب قاسم

بستكي مع أنجاله الدكاترة وفي الصورة من اليمين د. عيسى الحائز على جائزة الامارات التقديرية للعلوم.

aljoker@albayan.ae