في عام 1991 وتنفيذاً لفكرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية، بعثت سباقات المسافات الطويلة للسفن الشراعية التقليدية بملحمة «القفال» السنوية، والتي أصبحت واحدة من أبرز الأحداث البحرية السنوية على أجندة الرياضة.
وفي أواسط التسعينات برزت فكرة أخرى بإقامة سباق للسفن بين دبي وأبوظبي، ولكن لم يكتب النجاح للتجربة، وألغيت هذه الصفحة تماماً، حتى أنه منذ ذلك الوقت لم يفكر أحد في إعادة المحاولة والاستفادة من الأخطاء التي حدثت في هذه التجربة بما يضمن النجاح للسباق الذي قد يصبح تقليدا جديدا يمكن تطويره مستقبلا ليشمل جميع إمارات الدولة، ويتحول إلى أحد الأنشطة المهمة على أجندة الاحتفالات السنوية بالعيد الوطني.وقبل أيام قليلة، عادت الفكرة لتشغل عقل وبال النوخذة الأول محمد راشد الرميثي، وأخذ يتساءل: لماذا لا نعاود فكرة إقامة هذا السباق مرة أخرى؟ وطرح سؤاله وفكرته على السردال الكبير فرج بن بطي المحيربي، رئيس جمعية الإمارات للغوص، الذي أثنى على الفكرة وعرض المساهمة معه في تنظيمها وتحويلها إلى واقع.
وبعد مناقشات ومداولات وترحيب عريض من عشاق سباقات المسافات الطويلة، تم الاتفاق على إقامة السباق هذه المرة من أبوظبي إلى دبي، وتسميته ب«سباق العلمين» نسبة إلى انطلاقه من أمام العلم الكبير على كورنيش العاصمة أبوظبي، وحتى خط النهاية أمام العلم الكبير الذي يرفرف على دوار الاتحاد في دبي.
وحول هذه الفكرة والهدف منها ومسافة السباق وكل ما يتعلق به من تنظيم ومشاركين، التقينا مع فرج بن بطي المحيربي، وكان لنا السطور التالية.
خبرة السنين
لماذا وافقت على السباق وأنت تعلم أن التجربة السابقة لم يكتب لها النجاح؟
عند إقامة السباق من دبي إلى أبوظبي في التسعينات أطلق في الصباح، وكانت الرياح «عقربي» بسرعة جيدة، واستمرت هكذا حتى الثانية عشرة ظهراً، فاتجه ركب السفن صوب جزيرة صير بونعير.
وبات من الصعب عليه التوجه إلى أبوظبي، ولو كان السباق أطلق في ذلك الوقت عند الثانية عشرة ظهراً لوصلت السفن إلى العاصمة عند الخامسة مساء؛ أي بعد خمس ساعات فقط.
وهل هذا يعني أنكم سوف تطلقون السباق عند الظهيرة، وتراهنون على نجاح الفكرة هذه المرة؟
النجاح بيد الله، ولا يمكن أن نراهن على مسألة لا نملكها، ولكن إذا أراد الله وسارت الأمور طبيعية كما نخطط لها، سوف يتحقق النجاح المنشود بإذن الله، ونحن بحاجة إلى هذا النجاح لأنه لو تحقق سنقيم السباق بشكل سنوي.
ومن جانبنا سوف نحدد موعد إقامة السباق بالشكل المناسب والدقيق في طقس جيد ومناسب ومريح للمتسابقين، وفي الغالب سيكون يوم 7 أو 8 من الشهر الهجري، حيث يكون تأثير القمر جيداً في حركة الرياح.
شهر أكتوبر
وما هو الموعد الأقرب لإقامة هذا السباق؟
في الواقع كانت الفكرة أن نقيم السباق خلال أسبوعين، ولكن ظروف الحداد على وفاة المغفور له بإذن الله الشيخ أحمد بن زايد آل نهيان جعلتنا نرجئ الأمر بعض الوقت، وتحديد الموعد سيتم بالتشاور مع ملاك السفن والنواخذة والمتسابقين، بما يضمن إقامته في وقت يناسب الجميع، وسيكون ذلك إما قبل سباق الصير.
أو في شهر أكتوبر المقبل بإذن الله، بحيث يكون الهواء عند إقامته «عقربيا» أو «سهيليا»، فإذا كان «سهيليا» في الصباح يتحول إلى «عريض» بعد الظهر ويدور «ياهي» بعد الساعة 3، بحيث يكون الهواء غربياً مناسباً بسرعات تتراوح من 8 - 12 عقدة في الساعة.
ولأن هذه الرياح تتوافر دائما في أكتوبر، ويسمى وقت اليتيم أو «در المربعانية» فأنا أفضل إقامة السباق في هذا الشهر، ناهيك عن أن الفترة التي سوف تسبق سباق الصير دائما تكون مليئة بالسباقات.
ترحيب بدعم الأندية
وهل لديكم المقدرة والإمكانات التي تساعدكم على تنظيم السباق أم ستطلبون دعم ناديي دبي وأبوظبي؟
بداية، نحمد الله، فلدينا الإمكانات التي تؤهلنا لتنظيم السباق، ولدينا من الزوارق الصغيرة ما يكفي لمساعدتنا في السيطرة على خط السير، كما سنقوم بالتنسيق مع خفر السواحل والشرطة في أبوظبي ودبي.
ومع الدوائر الطبية، بما يساعدنا على توفير عناصر الأمان لجميع المشاركين، ومع ذلك فنحن نرحب بمساهمة كل من ناديي دبي وأبوظبي معنا في التنظيم، وتقديم ما يرونه من خدمات، لأننا نهدف جميعاً في النهاية إلى خدمة الرياضات البحرية عامة، والتراثية خاصة.
سباق للعمالقة
وهل تتوقع أن يحظى السباق باهتمام عدد كبير من المشاركين؟
سباق بهذه المسافة الكبيرة يحتاج إلى نوعية خاصة من المتسابقين، وليس من السفن، فالسفن الموجودة في الإمارات، وعددها 150 تقريبا، جميعها قادرة على المشاركة، ولكن المتسابقين ليسوا على نفس القدر من القدرة التي تجعلهم قادرين على تحمل تبعات «سباق قدرة بحرياً».
وهؤلاء موجودون، وهم عشاق وهواة البحر الحقيقيون، الذين يبحثون عن المتعة وليس عن المال والجوائز، ولهذا أتوقع أن تنحصر المشاركة بين 45 - 60 سفينة، وهم العمالقة الأصليون.
السباقات الطويلة ممتعة لهواة البحر من الملاك والنواخذة، الذين يشعرون براحة البال كلما طالت فترة وجودهم في البحر والسباقات، أما السباقات التي تستغرق ساعة وساعتين فهي لا تمتع إلا الباحثين عن الفوز، ولكنها لا تمنحهم المجال للوقوف على قيمة وحقيقة سفنهم.
وهل سيكون لذلك تأثيره في النتائج النهائية للسباق؟
في سباق بهذا الحجم قد يصل تقدم سفينة على الآخرين إلى عشرة أميال بحرية، والمخايرة في الغالب ستكون في حدود مرتين، مرة عندما يكون الهواء «سهيليا».
وأخرى عندما يتحول إلى «عقربي» ويدور إلى «عريض»، ومثل هذا السباق يحتاج إلى الصبر، خاصة وهي المرة الأولى التي يقام فيها سباق بهذه المسافة.
الرميثي عاشق أصيل
ولماذا فكر محمد راشد الرميثي الآن في إقامة السباق؟
محمد راشد الرميثي من عشاق البحر الأصيلين، ولك أن تعلم بأنه تعلم فن البحار والتسابق بالقوارب الصغيرة و«البوانيش» أسبوعياً في سن 8 سنوات من جزيرة السعديات ومن ميناء زايد، ونقل هذا الحب إلى أبنائه وإلى جميع المتسابقين معه، إنه عاشق للهواية وليس المال.
وقد نقل هذا الحب إلى كل المحيطين به، وهذا ما يمكن أن يلمسه كل واحد عندما يرى كيف يعمل المتسابقون على سفن مجموعة «العديد»، وأسلوب تعاملهم مع «اليوش» و«الخايور» و«حبل الدامن» بما يسخر الرياح لخدمة السفينة.
وهذه الخبرات التي اكتسبها طوال هذه السنوات جعلته حكيماً في سفينته، ودفعته للتفكير في ما هو أبعد من مجرد المشاركة في سباقات، فهو عاشق أيضا لتراث أجداده، ولهذا فكر في إقامة هذا السباق الذي يدعم الجهود المبذولة لإحياء تراث الأجداد.
انتهى حديث فرج بن بطي المحيربي، وبقي علينا أن ننتظر تنفيذ هذه الفكرة الجديدة، وإضافة ملحمة جديدة إلى أجندة المناسبات الخاصة لإحياء التراث.
وكما قال رئيس جمعية الغوص: ليس مهماً أن يقام السباق قبل ملحمة الصير أو في شهر أكتوبر المقبل، فالمهم أنه سيكون في النهاية ممتعا للمشاركين فيه، مما سيضاعف من قيمته.
وشخصياً أتمنى النجاح للسباق، وأن يقام سنوياً، بحيث يشمل جميع إمارات الدولة، ويستمر لمدة أسبوع، في إطار الاحتفالات بالعيد الوطني.
توقعات بانتهاء السباق بعد 5 ساعات فقط
على الرغم من أن مسافة سباق العلمين سوف تبلغ 65 ميلا بحريا؛ أي ما يقرب من 120 كيلو مترا، أي ما يزيد على المسافة التي تقطعها السفن في ملحمة القفال من جزيرة صير بونعير إلى دبي، على الرغم من ذلك فقد توقع فرج بن بطي المحيربي رئيس جمعية الإمارات للغوص أن تكمل أول سفينة السباق في خمس ساعات.
وقال إنه إذا كان «الولم» أي الرياح معتدلة السرعة وتتراوح بين 9 - 12 عقدة في الساعة، ستكون الظروف مناسبة لقطع مسافة السباق في خمس ساعات.
وهو ما يمكن حدوثه على أرض الواقع إذا تم اختيار توقيت انطلاق السباق ويوم إقامته بدقة كافية، وهو ما دفعه إلى التفكير في إقامة السباق في شهر أكتوبر، وبالتحديد مع نهاية الربع الأول من الشهر الهجري المتزامن مع شهر أكتوبر.
وهو الشهر الذي يرى كثيرون من العالمين بعلم الرياح أنه من الأشهر المناسبة جداً لإقامة سباقات المسافات الطويلة للسفن، وبالتحديد سباق صير بونعير الذي يقام في الأسبوع الأخير من شهر مايو كل عام.
جوائز مالية وعينية للفائزين الأوائل
صرح فرج بن بطي المحيربي بأن حديثه عن قيمة السباق وأنه لا يجذب إلا عشاق البحر وهواة الإبحار من الملاك والنواخذة وليس الراغبين في الجوائز، لا يعني أن السباق سيقام للمتعة فقط، وسيكون من دون جوائز، وأشار إلى أنهم كمنظمين للسباق سوف يرصدون جوائز قيمة جداً للفائزين بالمراكز الأولى في السباق، سيكون منها جوائز مالية كبيرة.
بالإضافة إلى سيارات بما يتناسب وقيمة السباق، وذلك تشجيعاً لأكبر عدد من المتسابقين والملاك والنواخذة على المشاركة فيه من جانب للاستمتاع، ومن جانب آخر للمساهمة بإخلاص في إحياء التراث القديم للأولين، وهو واجب مفروض على الجميع المساهمة فيه.
وأوضح المحيربي أن الجوائز المقدمة سيتم الإعلان عنها وعن المراكز الفائزة بها في موعد آخر لاحقاً، سيكون قريبا جدا، كما سيتم الإعلان أيضا عن موعد عقد اجتماع لجميع الراغبين بالمشاركة في السباق للتباحث معهم بشأن الموعد المناسب لإقامة السباق، وسيتم خلاله أيضا إطلاعهم على نوعية وطبيعة الجوائز المقدمة للفائزين.
حوار - رفعت بحيري