كان آباؤنا وأجدادنا من السلف الصالح يَقْدِرون القرآن العظيم حقَّ قدْره، حتى كان الكثيرون يجعلون جُلَّ حديثهم آيات قرآنية، فهذا قاضي القضاة أحمد بن أبي دؤاد الإياديي كان يتخلل حديثَه كثيرٌ من آي القرآن الكريم.
جاءه يوماً أبو العيناء الهاشمي (وهو هاشمي بالولاء وليس بالنسب) فاشتكى له بعض من يعادونه وأنهم يتجمعون على مكدّ يد الأذى إليه فقال له (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) «الفتح» قال إنهم كثرة، قال (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ «249» «البقرة». قال إنهم ماكرون، قال (ولا يَحيق المكر السيئ إلاّ بأهله«43» «فاطر» قال فما أصنع: قال (واصْبِرْ على ما يَقُولُونَ واهْجُرْهُمْ هَجْراً جَميلا (10)«المزمل».
ومن الطريف ما يروى من أن عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» كان يسير مع نفر من صحبه في ليلة مظلمة غير مقمرة فسمعوا وقع أقدام لقوم على الجانب المقابل من الطريق، فأمر عمر أحد أصحابه أن يرفع صوتهم ويسألهم: (من أين يقْدَمُ القوم؟) فسألهم فأجابه صوت من ناحيتهم يقول: من الفج العميق). فأمر صاحبه أن يسألهم (وإلى أين يتجهون) فسألهم فأجابه الصوت: (إلى البيت العتيق).
ففهم عمر أن الإجابتين من القرآن، فالأولى من قوله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ«27» «الحج» والثانية من نفس السورة من قوله تعالى (ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ(29).فقال عمر لأصحابه: إن القوم معهم عالم بالقرآن.
ثم أراد أن يتثبّت من ظنه فقال لمن معه: سلهم (أيُّ آيِ القرآن أعظم؟) فأجابه الصوت (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ «255» «البقرة».
فأمر عمر أن يسألهم (أيُّ آيِ القرآن أحكم؟) أي أكثر احكاماً، فأجابه الصوت: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90) «النحل». فأمر عمر أن يسألهم (أيُّ آيِ القرآن أجمع؟) فأجابه الصوت (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه «7» وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرا يَرَه«8» «الزلزلة».
فأمر عمر أن يسألهم أيُّ آي القرآن أخوف؟ لا اجابه الصوت (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا «123» «النساء».فأمر عمر بسؤالهم(أيُّ آي القرآن أرجَى) فأجابه الصوت (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ «53» (الزمر) فأمر عمر بسؤالهم (هل فيكم عبد الله بن مسعود؟) فجاء الجواب: (اللهم نعم)!