تنفرد العمارة في الإمارات بالعديد من الظواهر التي لا يملك المرء حيالها إلا التوقف طويلاً بالتأمل والتساؤل ومحاولة الفهم، أو على الأقل الاستعانة بالعناصر التي تعين على الفهم.فالعمارة في الإمارات نشاط هائل وهادر، لا يتوقف لحظة، وهو في تصاعد وتعاظم، وهناك إجماع على أننا سنشهد المزيد منه لا في السنوات المقبلة فحسب، وإنما على امتداد العقود الآتية.
وعلى الرغم من ذلك، فإن من يحاول أن يعرف المزيد عن العمارة في الإمارات لن يجد شيئاً يذكر، لا في المكتبة المحلية ولا العربية ولا باللغات الأجنبية.حقاً هناك كتاب سمر دملوجي القيم الصادر باللغة الإنجليزية، وهناك كتب عن العمران التقليدي في الإمارات، كالكتاب الذي أصدره د. محمد مدحت جابر عبدالجليل، وهناك كتب صادرة عن قلاع وحصون أو دور بعينها، لكن هذا هو كل ما هنالك، وهي حصيلة متواضعة للغاية، ومتناقضة تماماً مع النهضة العمرانية الهائلة التي تشهدها الإمارات.
وهذه الظاهرة تتخذ أبعاداً صارخة في سباق العمارة المسجدية، فلست أعرف كتاباً يتصدى لعمارة مساجد الإمارات، بخلاف كتاب الصديق ناصر العبودي عن مسجد البدية، ومن قرأوا هذا الكتاب بحب وتعاطف يعرفون أنه يدرس موضوعه كأثر تاريخي، وأن التصدي لجوانبه المعمارية يتم في هذا الإطار وحده، في انعكاس مباشر لتخصص ناصر العبودي في دراسة التاريخ والآثار.في اعتقادي أن هذا الجانب جدير بالتدارك الفوري سواء من جانب الجهات المعنية بالكتاب الموجه إلى القارئ العام أو تلك المعنية بالكتاب الموجه إلى الدارسين والاختصاصيين.وإلى أن يتم هذا التدارك، يبقى أن نستعين بالبصر والبصيرة والمحبة الحقيقية لآفاق الإمارات التي تتألق بأنوار الجوامع والمساجد والزوايا جميعاً.ولعل العمارة المسجدية في أم القيوين من أبرز المعالم المعمارية في الإمارات، فهناك تنفرد مصادر مواد البناء المحلية وتتنوع، وهناك الحرص الشديد على جعل العمارة المسجدية كياناً محورياً ومعلماً شاهداً في قلب أي توسع في البناء أو تجديد فيه.
ونتوقف بصفة خاصة عند مسجد المغفور له ـ بإذن الله تعالى ـ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي أنشئ في الحادي عشر من رمضان عام 1421 هجرية الموافق للسابع من فبراير عام 2000 ميلادية.نحن إذن أمام سبع سنوات من الحضور المعماري البهي، الذي يجمع بين قوة الكتلة المعمارية، ورسوخها، واستحضارها لمعاني الجمال والجلال كأروع ما تقدمها عمارة المساجد اليوم.ويلفت النظر موقع المسجد حيث لا يتداخل معه النسيج الحضري، خلافاً للعديد من المساجد في مدن الإمارات المختلفة.كتلة المسجد المستطيلة المتماسكة تعلوها قبة بصلية مرتفعة لا تخطئها العين، وتؤطرها أربع مآذن شامخة من دون مبالغة.
ويعكس الكيان الكلي للمسجد استعادة بهية لتقاليد العمارة المملوكية على نحو ما يصافحنا حضورها في كيان المسجد وفي مداخله والعرائس التي تتوج حواف سقفه، وبصفة خاصة في مآذنه الأربع، التي تنطلق من بدن مربع قوي، ينتقل إلى كيان مثمن، ثم دائري، وأخيرا كتلة نحتية بديعة تستند إلى أعمدة وقوائم رشيقة لتنتهي بقمة بصلية رشيقة تعلوها الزخارف المعدنية التقليدية، وتفصل أجزاء المآذن شرفات تزينها مقرنصات فريدة يردد بعضها أصداء بعض.
في قاعة الصلاة الرئيسية سنجد مشروعاً زخرفياً مدهشاً مع بهاء عناصر الإنشاء، ونتوقف بصفة خاصة عند تكامل عناصر الإضاءة الطبيعية المنهلة من المداخل والنوافذ المكتسية بالزجاج المعشق والفتحات والكوى في رقبة القبة التي زخرف باطنها بنقوش هندسية بديعة وأديرت في رقبتها تحت الكوى مباشرة خشوة خطية نادرة النظر.
هذا المشروع الزخرفي يصل إلى ذروة التألق في تعامله مع حائط القبلة، حيث نجد التوظيف البارع للخشب ونجد الإجادة في الوصول بالمحراب إلى مستوى القامة البشرية في انتقالات بديعة تجمع بين الزخارف الهندسية وحشوة خطية تعلو المحراب، على حين نجد المنبر يقتصر على أبعاده الوظيفية مع لمحات من الزخرفة الهندسية، وفق ما يفضله أبناء الإمارات من احجام عن المبالغة في المنبر بصفة خاصة.
كامل يوسف - تصوير: غلام كاركر