كل من قدر له أن يتأمل، بحب وتعاطف، مساجد الإمارات وجوامعها، لابد له من أن يلاحظ أنها ـــ شأن نظيراتها في بلاد المسلمين كافة ــ تستحضر التقاليد المعمارية الإسلامية، التي امتدت على مدار القرون لتبلور في الذاكرة الجمعية للمسلمين الصورة العامة للمسجد، التي تعكس أبعاداً وظيفية محددة بالإضافة إلى جماليات معمارية وزخرفية تتابعت الأجيال على مراكمتها.
في اطار النهضة المعمارية الكبرى التي عرفتها الإمارات، والزيادة السكانية الكبيرة التي شهدتها، كان من المحتم أن نشاهد أعدادا كبيرة من المساجد والجوامع والزوايا.لكن هذا كله لم يأت من فراغ، وإنما بني على الأصل القديم، الذي عكس نوعين محددين من المؤثرات الخارجية في طراز بعض المباني وزخرفتها وفي طراز الحصون والقلاع في المنطقة.يلخص د. محمد مدحت جابر عبدالجليل في كتابه «العمران التقليدي في دولة الإمارات العربية المتحدة» تفاصيل هذين النوعين بالاشارة في إيجاز إلى:ـ الطابع العربي المستمد من عمارة داخل الجزيرة العربية.ـ الطابع الهرمزي المستمد من الجانب الآخر من سواحل الخليج.
والواقع أن هذه التأثيرات الخارجية لم تقتصر على العمران في الإمارات وحدها، وإنما في العديد من المناطق الأخرى في الخليج، ومنها على سبيل المثال الأجزاء الشرقية من المملكة العربية السعودية. وعلى هذا الاساس القديم تراكمت طبقات المؤثرات الخارجية في عمارة المساجد بالإمارات، حيث نرى ملامح من عمارة المساجد الاندلسية، ونشهد مؤثرات من العمارة في وسط آسيا وامتداداً شمالاً إلى الأجزاء العليا من هضبة الدكن في الهند، ونرى أيضاً المؤثرات الفاطمية والمملوكية، ولكننا نلمح بصفة خاصة التقاليد التركية العثمانية التي تعود أرقى نماذجها إلى القرن السادس عشر الميلادي.ولست أشك في أن الكثيرين طرحوا على أنفسهم السؤال عينه الذي طالما أرقني وهو: أين التجلي الراهن في العمارة المسجدية للتقاليد العمرانية الأهلية في البناء في الإمارات؟
ربما كان جانب من الطابع المؤرق يرجع إلى المواد المستخدمة تقليدياً في البناء والتي قد لا تكون متوافرة أو إن توافرت تكون مكلفة وبالتالي تستخدم في ترميم القلاع والحصون والدور التقليدية القديمة.ربما كان جانب منه يعود إلى تبني الحلول المعمارية السهلة، أو إلى عدم وجود الأشخاص أو الهيئات الذين يتمسكون بالطابع العمراني القديم ويصرون على استحضاره في عالم اليوم جمالاً وجلالاً.أيا كان الأمر ففي اعتقادي أن هذا مبحث يمكن لقسم العمارة بالجامعة الأميركية بالشارقة إجراء دراسة علمية دقيقة لوضع النقاط على الحروف في إطاره.
وفي غضون ذلك، يحق لنا أن نتأمل عن قرب ملامح مسجد البراء بن عازب في الشارقة باعتباره أحد النماذج النادرة لهذا الطراز الذي نتحدث عنه، والذي يمثل استحضارا ـــ بمفردات حديثة ــ لتلك التقاليد المعمارية التي تصل بنا ندرتها اليوم إلى حد الوجع.
نحن هنا أمام كتلة معمارية قوية ومندمجة إلى أبعد الحدود، وخلافاً لمحاولات أخرى لاستحضار هذه التقاليد المعمارية فإننا سنجد هنا إضافة القبة، وأيضاً المئذنة التي تنهض من الأرض وليس من بدن المسجد نفسه.عناصر القوة في هذا البناء تضاف إليها جماليات لا تغيب عن العين من القبة الرئيسية ومن القباب الفرعية، وتتوقف عند المئذنة التي تردد أصداء مآذن المغرب العربي.
في قاعة الصلاة الرئيسية تتوقف عند صفوف الأعمدة التي ترفع السقف من دون الاستعانة بالعقود، وإن لم يختف شكل العقد نفسه كلية من القاعة.
شأن كل تجليات العمارة المنتمية إلى هذا النوع، فإنك تلحظ الميل إلى التقشف، وإن لم يعن ذلك الخلو من المشروع الزخرفي.المشروع الزخرفي هنا يستند إلى وزرة بديعة تحيط بالبهاء النصف السفلي للجدار الداخلي للقاعة والأعمدة، ويوظف الخشب على نحو جميل في الأبواب وتأطير حشوات الخط والوزرات.
وتتدلى من السقف ثريات تقليدية عريقة تتكامل مع فتحات رقاب القباب والسقف في إدخال الاضاءة الطبيعية إلى المسجد.ومن جديد يصافح التوظيف الناجح لمادة الخشب عيوننا في المحراب الذي تعلوه حشوة خطية بديعة وزخارف من النقش النافر في مادة الخشب من دون اسراف ولا تكلف.
كامل يوسف - تصوير: محمود الخطيب