واحد من الكتاب العرب الذين أثروا المكتبة العربية بالعديد من الكتب والموسوعات، والتي كان من أهمها موسوعته »اليهود والصهيونية« في ثمانية مجلدات ضخمة، وتعد الأولى من نوعها في العالم المعاصر، إنه د . عبد الوهاب المسيري أستاذ الأدب الانجليزي..
وعن شهر رمضان وذكرياته فيه وعاداته بالنسبة للدكتور المسيري وما يمثله هذا الشهر يقول: عادة نقسم المهام إلى الزمان الطبيعي المادي والزمان المقدس.. الزمان المادي هو البيع والشراء والسير في الطرقات والحياة والدنيا.. أما الزمن المقدس فهو أن ينسحب الإنسان من كل هذا وينشئ علاقة مع الله تعالى، خالقه، تنشأ هذه العلاقة من خلال الصلاة مثلا التي تنسحب من الزمان الطبيعي لعدة دقائق تشارك فيها في الجماعة أو تصلي بمفردك، أي أنك تكتشف الجوانب الإنسانية المقدسة في ذاتك التي تعلو على المادة.وشهر رمضان يتميز عن الصلاة وعن الأعياد بأنه شهر ممتد لثلاثين يوماً.. إيقاعه مخالف للإيقاع العام، فالناس في الصباح تمارس الصوم الذي يشعرها بالجوع.. يشعرها بالآخر.. يشعرها بأن الجسد - في نهاية الأمر - ليس هو البداية والنهاية، وهذا هو شيء هام، خاصة في عصر الحداثة، عصر الجسد، فبعض الكتب تقول بأن الجسد هو البداية والنهاية، قرأت في إحدى المجلات الأدبية عبارة »الإناث يكتبن بأجسادهن«!! وتلك العبارة تدل على نوع من المادية الرخيصة، الإنسان يعيش في جسده، يعيش في المادة، يعيش في الطبيعة، لكن الطريف في الموضوع أن الإنسان الذي يعيش في المادة، يعيش في العام، فهو يفقد خصوصيته ويفقد إنسانيته ويفقد هويته. ويضيف المسيري وشهر رمضان يأخذ شكلاً خاصاً جداً في كل بلد وفي كل مدينة، وأتذكر في طفولتي بدمنهور شهر رمضان وكيفية الاحتفال به بإقامة الشعائر المختلفة..
كان شيئاً جميلاً.. ولا تزال توجد بعض العادات، فمثلاً في شهر رمضان نجتمع مع الأقارب ومع الأسرة، حيث تكون الحياة الاجتماعية أكثر ثراء.. والناس تلتقي ببعضها أكثر، ويتسم بالتعبد فبعض الناس يصلون صلاة التراويح - وأنا للأسف لست منهم - لكنني أرى هذا شيئا عظيما، فأنا أصلي التراويح مرة أو مرتين في رمضان حتى أمارس هذه الشعائر الدينية.. ولا أواصل هذه الصلاة بسب مرضي، فكما ترى رمضان هام جداً بالنسبة لإنسانية الإنسان، وبالنسبة لإشباع الجانب الروحي بكيانه الذي لا يمكن أن يشبع من خلال الزمان الطبيعي !!
السيرة الهلالية وعن برنامجه في رمضان، وهل يختلف عن بقية الشهور الأخرى، يقول المسيري: نعم.. نتيجة ظروفي الصحية التي قد لا تمكنني من الصوم بسبب هبوط السكر عندي، لكن رغم ذلك فإن الايقاع الخاص برمضان يفرض نفسه علي فمثلاً وقت الإفطار أكون مع أفراد أسرتي على المائدة، ويزداد الوقت الذي أكرسه للصلاة وقراءة القرآن..
ويزداد أيضاً الوقت المكرس للحياة الاجتماعية.. يعني كنت أشاهد في الأعوام الماضية ليالي السيرة الهلالية التي كانت تقام في بعض السرادقات بالقاهرة، لأنني أحب السيرة الهلالية جداً وبشكل جنوني، حتى أيام انشغالي بالموسوعة الصهيونية كنت أجد نفسي، حينما أعرف بأن هناك »منشداً« للسيرة الهلالية، كنت أنسحب من الموسوعة للاستماع إليه، فسيرة أبو زيد الهلالي كلها بطولة وشهامة.
وهذا هو الأدب الشعبي، وليس الأدب بمفهوم الخبز الحافي!! ويسرد المسيري بعض الملامح الرمضانية في بعض الدول العربية والأجنبية التي سافر إليها، فيقول: أنا حضرت رمضان في بعض البلاد العربية، وطبعاً لا يوجد رمضان مثل رمضان عندنا والجميع يشهد بأن رمضان في القاهرة شيء فذ ومثير وعميق.. وبعض الجماعات الإسلامية في الـولايات المتحـدة الأميركـية يحـاولون أن يخلقوا جواً رمضانياً ويفطروا سوياً، أو في المسجد، يقيموا صلاة التراويح، ويلقوا بعـض المحاضرات الدينية .
أما في بعض البلاد العربية نجد ما يشبه رمضان عندنا، ولكن رمضان عندنا له طعم ومذاق آخر، ومذاق مختلف !! وعن أهم أعماله التي أنجزها في شهر رمضان يؤكد المسيري أن شهر رمضان هو شهر الصيام وشهر الحياة الاجتماعية، لكنه أيضاً شهر عمل.. لا يتوقف فيه العمل.. وكثير من أعمالي، مثلاً: الموسوعة الصهيونية عبر خمسة وعشرين عاماً لم يتوقف العمل فيها، سواء في رمضان أو غير رمضان .
وعن البرامج الإذاعية والتلفزيونية في رمضان والتي لها طابع خاص وجذاب في بعض الأحيان قال د. المسيري منذ ثلاثة أعوام شاهدت مسلسل هارون الرشيد وهو مسلسل عظيم ورائع، وهناك برامج أخرى لا أتذكرها، لأنني لست من المشاهدين المنتظمين للبرامج التلفزيونية ولكنني ألاحظ الصخب الشديد - وهذا هو الرصد السلبي - كالفوازير التي زادت عن حدها، كذلك نجد أن التلفزيون يسهر حتى الصباح - حتى في غير رمضان - وهذه مسألة لها مردود سلبي على عملية الإنتاج!