أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات.
صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسموات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.
الميكروويفبادئ ذي بدء يقول العلماء إن السؤال عن اختراع الميكروويف أشبه بمن يطرح سؤالا آخر هو:* من اخترع الكهرباء؟ والإجابة المباشرة هي بغير لف أو دوران:
لا أحد.. وإذا كنت تقصد توماس أديسون فالرجل اكتشف الطاقة الكهربائية ولم يخترعها.. وإلا كنا نسأل مثلا:
* من اخترع البترول.. أو الفحم أو الحديد؟ الخ
والمعنى هو: أن الميكروويف هي موجات الكترو – مغناطيسية موجودة في الغلاف الجوي المحيط بكوكبنا وأول من اكتشف وجود هذه الموجات كان عالم الرياضيات جيمس كلارك مكسويل في عام 1864 وقد توصل إليها من خلال معادلاته الحسابية إلى أن جاء هنريك هيرتز ليكون أول من أثبت وجودها ماديا وعلميا في عام 1888.
وكل هذه الاكتشافات العلمية – الرياضية – العلمية هي التي مهدت السبل لأكثر من مكتشف ومخترع.. مثل ماركوني في مجال اللاسلكي أو ساتلوف في مجال المذياع.. إلى أن نشبت الحرب العالمية الثانية واشتدت معها الحاجة إلى الكشف المسبق عن وجود طائرات العدو المغيرة.. فكان اختراع الرادار. بعدها جاءت حكاية الميكروويف..
ومن عجب أنها – شأن الاكتشافات أو حتى الاختراعات العظيمة في التاريخ. - جاءت بالمصادفة.. تماما كما كان الأمر مع شجرة التفاح التي أسقطت ثمرتها على أم رأس اسحق نيوتن فاكتشف قانون الجاذبية أو مثل طبقة العَفَن الذي طالعه ألكسندر فليمنغ (1881-1955) في داخل جدران مختبره العلمي فكان اكتشاف عقار البنسلين.
والحاصل أن المهندس، الدكتور بيرسي سبنسر كان بصدد تجارب معملية يجريها في مختبر شركة رايثيون الأميركية التي يعمل بها كان ذلك عام 1946، وكانت التجربة بشأن تطوير آلة الرادار باستخدام نوع جديد من الأنابيب المفرغة تحمل اسم المغنطرون أو الصمامات المفرغة التي تمر فيها الالكترونيات وسط مجال مغناطيسي وحدث أن كان في جيب الدكتور سبنسر قطعة حلوى سرعان ما اكتشف أنها ذابت إلى حد الانصهار في جيب سترته الأنيقة..
ألتقط هذه الملاحظة فوضع في اليوم التالي وعاء مليئا بالفشار قرب أنبوبة التجربة وبعد فترة سمع طقطقة حبات الفشار وهي تتقافز متناثرة في أنحاء المختبر.. اليوم الثالث كان تجربة البيضة فإذا بها تتحرك وتنضج ثم تنفجر ليشير هذا كله إلى حقيقة أن هذه المواد بلغت حد الإنضاج بسبب تعرضها إلى طاقة حرارية محدودة الكثافة اسمها الميكروويف..
فلماذا لا نضع حيزا أو صندوقا نمرر من خلاله موجات هذه الطاقة التي ينشأ معها مجال الكترو مغناطيسي يفيد منه إنضاج ما نريد؟ وقد أجاب المهندس الأميركي على هذا السؤال فكان أن توصّل إلى ما يمكن وصفه بأنه ثورة في عالم الطهي.. وذلك باختراع جهاز فرن الميكروويف – أو الفرن الكهربائي كما يقل في بعض الأوساط. وقد صدرت براءة الاختراع في ولاية ماساتشوستس الأميركية يوم 8/10/1945..
وكما هي العادة كان أول نموذج للفرن الجديد ضخم الحجم بارتفاع مترين.. غالي الثمن بسعر ثلاثة آلاف دولار قبيح المنظر كأنه وحش خرافي.. لدرجة أن اقتناه أحد مديري شركة الإنتاج فما كان من طباخه الخاص إلا أن قدم استقالته هلعا من منظر الآلة الجديدة وربما تشاؤما من مستقبل مهنة الطهي بعد أن يتسع انتشار الآلة البشعة المنظر في المطاعم والفنادق والبيوت.
مثل هذه الحوادث الفردية لم تكن لتفوت على صانعي النماذج الأولى.. فكان إصرارهم على تطوير الميكروويف إلى حيث باتت منذ عام 1967 تتخذ أشكالا أقل حجما وربما أكثر رشاقة وأقل سعرا..
مما جعلها أوسع انتشارا في طول العالم وعرضه، ومما أكسب المكتشف بيرس سبنسر مالا وفيرا وشهرة عريضة لدرجة أن جاء يوم 18 سبتمبر عام 1999 ليشهد الاحتفال الرسمي بوضع اسم الرجل في سجل كبار المخترعين جنبا إلى جنب مع توماس إديسون مكتشف الكهرباء والأخوين ولبور وريتشارد رايت مخترعي الطائرة وجورج واشنطون كارفر (1864-1943) العبقري الذي ولد في مهد العبودية.
وظل يعامَل بوصفه عبدا أسود في أميركا إلى أن هدته عبقريته ودراسته في مجالات الكيمياء الزراعية إلى إدخال تجديدات ثورية في مجال تنظيم دورات زراعة المحاصيل واستنباط بذور وسلالات جديدة لأكثر من مادة غذائية وطرح أساليب مبتكرة للإفادة صناعيا من مخلفات زراعة الأقطان وخاصة في مناطق الجنوب من الولايات المتحدة الأميركية.
من ناحية أخرى ينبغي القول بأن استخدامات موجات الميكروويف لا تقتصر بداهة على أفران الطهي السريع أو التسخين وما إليها.. إنها تستخدم أيضا في البث الإذاعي وفي الاتصالات وفي تشغيل أجهزة الرادار وفي بعض شبكات الكابل لتوصيل الخدمات المتلفزة للمشتركين ولكن استخدامها أيضا في توصيل التيار الكهربائي عبر مسافات طويلة بل أجرت وكالة ناسا الفضائية الأميركية في عقدي السبعينات والثمانينات بحوثا حول إمكانية استخدام موجات الميكروويف لبث أشعة الشمس من الفضاء الخارجي إلى كوكب الأرض!
عداد المسافات بالسيارة
«أودوميتر» كلمة من مقطعين كلاهما مشتق من لغة اليونان حيث «أودو» أو «دوس» معناها الطريق و«مترون» معناها القياس. وبهذا تصبح الكلمة هي قياس الطريق بمعنى قياس طول المسافة التي تقطعها مركبة ما سواء كانت مركبة كانت تجرها الدواب في الأيام الخوالي أو كانت فارهة من أحدث طراز.
ولأن البشر شغوفون بالقياس والعدد والإحصاء فقد عرف التاريخ القديم أهمية عّداد المسافات منذ أيام اليونان ومن بعدهم الرومان. وفي زمن الإسكندر، الفاتح المقدوني الشهير (320 قبل الميلاد) كان علماؤه يقيسون المسافات التي تقطعها جحافل جنوده في حملاته الشهيرة ابتداء من مصر ثم إلى الشرق حتى حدود فارس وما يجاوزها.
ويقول علماء التاريخ أن معاصري الإسكندر حسبوا المسافات المقطوعة بدقة ملحوظة كما في كتاب المؤرخ القديم بليني (حوالي سنة 62 قبل الميلاد) وعنوانه في اللاتينية «التواريخ الطبيعية» لكن المشكلة أنه، لا بليني ولا معاصروه وصفوا لنا نوعية جهاز القياس أو عداد الطرق الذي استخدموه.
أما الجهاز أو الأداة التي وصفها التاريخ فقد توصل إليها المهندس القديم فتروفيسوس حوالي سنة 20 قبل الميلاد.. هذا العداد.. الأودوميتر كان يقوم على فكرة مؤداها تثبيت الجهاز «العجيب» في عجلة العربة بحيث أنه إذا دارت العجلة تلقي حصاة واحدة في وعاء مع كل دوران وبعد عد الحصوات يتاح قياس المسافة المقطوعة.
والطريف أن استفاد من هذه الطريقة بعد تطويرها في العصر الحديث السياسي الأميركي الشهير بنيامين فرانكلين (1706-1790)، حين تولى منصب مدير مصلحة البريد في دولة الولايات المتحدة الجديدة. وقتها أراد أن يعرف أيسر وأنجع الطرق التي تسلكها عربات المصلحة من أجل توصيل البريد – فكان أن اخترع جهازا جديدا وبسيطا لقياس المسافات التي تقطعها تلك العربات..
والمعروف أن فرانكلين كان من هواة الاختراعات.. حيث ينسب إليه اختراع زعانف الغطس التي يرتديها السباحون، والنظارات الثنائية العدسات (بيوفوكال) وآلة هارمونيكا زجاجية لعزف الموسيقى، وعمود امتصاص الصواعق الجوية وموقد خشبي التكوين.. ثم عداد المسافات الذي أمر بتثبيته في هيكل عربات البريد لكي يتحرك ويقوم بالعد مع دورات عجلات العربة.
وبديهي أن دخول السيارة حياة القرن العشرين أثار معه مشكلة مكان صفّ السيارة عندما لا تكون قيد الاستخدام.. وسقى الله زمان استخدام الجياد أو على الأقل البغال حيث كانوا يسوقونها بالطبع إلى الحظائر أو الإسطبلات (والكلمة مأخوذة عن الأصل الإنجليزي).
وكانت عرباتها توضع في زوايا شبه مهملة من خلفية البيت أو حتى من أركان الحظيرة.. السيارة صار لها وضع آخر وباتت تقتضي موقعا للانتظار وخاصة في المدن المزدحمة. ثم زادت المشكلة تعقيدا عندما كان السائقون يتنافسون على أحقية أو أسبقية صف السيارة في هذا المكان من الشارع أو ذاك.. فما بالك بمن كانوا يتركون سياراتهم في أماكن الانتظار طيلة ساعات عملهم الطويلة بالنهار ويحرمون بذلك مواطنيهم من التماس مكان لسياراتهم.
وكانت شرطة المرور تحاول علاج الموقف بوضع علامة بالطباشير على دواليب السيارة التي يثبت طول انتظارها.. وبعد ساعة أو ساعتين يعود الشرطي إلى السيارة التي حملت العلامات، فإن وجدها كما هي يحرر لها مخالفة الانتظار الطويل سادت هذه الطريقة حتى ثلاثينات القرن العشرين في مدن أميركا.. وكانت طريقة عقيمة، أولا لأنها اقتضت قوى عاملة كثيرة، وثانيا كان السائقون يعمدون إلى محو علامات الطباشير، وثالثا كان هناك من يعمد من تلقاء نفسه إلى وضع علامات الطباشير إما من باب الكيد للسائق أو لأغراض التسلية ليس إلا.
وجاء الحل بتسجيل اختراع عداد الانتظار في الشوارع بتاريخ 13/5/1935 وباسم كارل ماغي الذي لم يكن مهندسا ولا صناعيا ولكن كان رئيس تحرير الصحيفة التي تصدر في أوكلاهوما سيتي، ولكنه أمعن التفكير في المشكلة وتوصل إلى تركيب العدادات التي تستخدم فيها العملة من أجل «شراء» وقت محدود.. ساعة مثلا لانتظار السيارة.
وفي مقابل العملة يتم تشغيل زنبرك مركب داخل العداد بحيث يعود إلى وضعه الطبيعي بعد انتهاء الفترة المدفوعة سلفا، علما بأن العدادات تحتاج إلى تفريغ عملاتها بين حين وحين فضلا عن مراقبة وتغريم السيارات التي تظل واقفة بعد نفاد وقتها المبتاع.
في يوليه سنة 1936 بدأ استخدام عدادات الانتظار في أميركا ولكنها لم تصل إلى لندن سوى في عام 1958. ومع زيادة تعقيدات الحياة.. أضيفت تطويرات على هذه العدادات لكي تقبل بطاقات ذكية مدفوعة الثمن سلفا. وفي بعض المواقع تنصب البلديات عدادا واحدا يتلقى منه الزبائن بطاقات مخصوصة لقاء مبالغ يدفعونها في جهاز العداد ومن ثم يضعونها على واجهة السيارة آية على أنهم مواطنون صالحون ومتعاملون بصدق وأمانة مع عداد الانتظار.
محمد الخولي
