ورقة من صحيفة أجنبية طيّرها الهواء ذات مساء لتقع في يد ذلك الطفل الذي بدأ يفك الخط العربي فأشعلت فضوله لمعرفة ما هو مكتوب فيها. لم تكن البلاد في تلك الفترة تزخر بهذا العدد الهائل من الوجوه الغريبة التي يراها اليوم، ولا هذه الألسن واللغات التي يسمعها في كل مكان وقد طغت على لغته الأم ودفعت بها إلى الصفوف الخلفية لتصبح غريبة في وطنها وبين أبنائها.
حاول أن يفك طلاسم تلك الورقة لكن حروف كلماتها استعصت عليه، فلم تكن المدارس الخاصة قد عُرِفت في تلك المرحلة، ولم تكن اللغة الإنجليزية تُدرَّس إلا في المراحل العليا من المدارس الحكومية التي ينتظم في إحداها. مرت أيام والطفل ما زال محتفظا بتلك الورقة من الصحيفة الأجنبية التي أشعلت فتيل الفضول لديه ودفعته إلى التفكير في معاني الكلمات التي يراها أمامه، وشروحات الصور التي يجتهد في فهم معانيها فيتوصل أحيانا إلى تفسيرات معقولة لها، ويعود ينقض هذه التفسيرات ليُحِلَّ مكانها تفسيرات أخرى بعد حين.
يحدث أحيانا أن يكون هناك نوع من التواصل في التفكير بين اثنين من البشر، ويحدث أحيانا أن تلعب الأقدار دورا كبيرا في التوفيق بين فكرتين دون تخطيط مسبق، وتحدث أشياء كثيرة لا نعرف لها تفسيرا في كثير من الأحيان. لذلك كانت دهشته كبيرة عندما دخل عليه والده في ذلك المساء ليزف إليه خبرا أدخل السعادة على قلبه وجعله يخرج تلك الورقة التي طيّرها إليه الهواء ذات مساء وما زال محتفظا بها.
- سوف تذهب غدا لتلقي دروس في اللغة الإنجليزية لدى الأستاذ ياسين. قالها والده دون مقدمات فقفز الطفل الصغير في الهواء فرحا. أخيرا سوف يستطيع فك طلاسم تلك الورقة التي كثيرا ما حيرته الكلمات المكتوبة فيها بحروف لغة عليه أن ينتظر سنوات حتى يبدأ تعلمها في المدرسة التي يتلقى فيها علومه.
كان الأستاذ ياسين (من الجنسية الباكستانية) يعمل محاسبا في محكمة دبي، وقد افتتح مدرسة لتعليم اللغة الإنجليزية في أحد أحياء ديرة بدبي.
وكان يساعده في التدريس بالمدرسة مواطنه الأستاذ أبوبكر الذي يعمل هو الآخر محاسبا في المحكمة. لم يكن الحي الذي تقع فيه مدرسة الأستاذ ياسين المسائية يبعد كثيرا عن الحي الذي يسكنه، لذلك كان يجد متعة في ترديد وحفظ الكلمات التي كان يتعلمها كل يوم بمدرسة الأستاذ ياسين في طريق الذهاب والإياب من المدرسة. ما أن تعلم حروف الهجاء الأولى (A.B.C.D) حتى بدأ في محاولة فك طلاسم تلك الورقة التي طيّرها إليه الهواء ذات مساء. صحيح أنه استطاع قراءة بعض الكلمات بعد أن عرف كيف ينطق الحروف، لكن المعاني ظلت عصية عليه.
كان ما زال يدرس المبادئ في الكتاب الأول (PRIMARY BOOK) بينما كانت عيناه تتطلع إلى الكتب الأخرى التي في يد زملائه الذين يكبرونه سنا (READER 1) و (2 READER) كأنه كان يريد أن يختزل الزمن ليستطيع فك طلاسم تلك الورقة التي اعتقد أن الطريق إلى فك طلاسمها أصبح ممهدا له منذ أن انتظم في مدرسة الأستاذ ياسين تلك، لكنه أدرك بمرور الوقت أن الأمر ليس بهذه البساطة التي تصورها.
ومع ذلك لم يفقد إصراره ولم تفتر عزيمته وواصل تعليمه بمدرسة الأستاذ ياسين التي مهدت له الطريق عندما وصل إلى المرحلة التي بدأ فيها تعلم اللغة الإنجليزية في مدرسته الحكومية.
واليوم عندما يتأمل طفلنا – الذي لم يعد طفلا – الأطفال وهم يتحاورون فيما بينهم بلغة تلك الورقة ولا يعرفون فك حروف لغتهم الأم يتساءل: تُرى، لو أن ريحا - من أي جهة هبت - طيّرت ورقة من صحيفة عربية فوقعت في يد طفل من أطفال اليوم، هل سيستطيع فك طلاسمها؟ يشك في ذلك كثيرا.