وردت لفظة «قوة» في كتاب الله نحو ثماني وعشرين مرة، بالإضافة إلى «قوتكم التي وردت في قوله تعالى: « يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم» سورة هود ـــ الآية 52، ووردت «القوى» جمع قوة مرة في قوله تعالى: «إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى» سورة النجم ـــ الآية 5. ووردت «قوي» (صفة) نحو عشر مرات.
من ذلك يتضح احتفاء ديننا القيم بأمر القوة فلا عجب أن يكون رمضان شهر القوة، وما دام لهذه القوة شأن أيما شأن في الإسلام، لأن هذا، الشهر الفضيل هو شهر التقويم مادياً ومعنوياً، والإسلام يعنى بالضربين بين القوة «المادي والمعنوي»، لأن القوة المادية وحدها قد تتفوق، ولكن تفوقها لا يدوم طويلاً، فهذا طالوت الذي أخبر بني إسرائيل نبيهم بأن الله بعثه لهم ملكاً ولنظرتهم الضيقة للأمور من منظار المال. ـــ وهذا شأنهم في كل زمان ومكان.د «قالوا أنَّى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال» كان الرد عليهم «قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم» سورة البقرة الآية 247 فتقدمت البسطة في العلم على بسطة الجسم أي أن القوة المعنوية تقدمت على القوة المادية مع الربط بينهما. فالقوة المادية وحدها قد تبطر وتغري بالفساد الذي يدمر صاحبه.
وتحضرني قصة رجل أتاه الله سعة من المال فترك الحبل على الغارب ــ كما يقول المثل لابنه فعاث في الأرض فساداً بالمال الجاري بين يديه جريان الماء، وعندما نصح الرجل أحد أصدقائه بان ولده مفسد ويبذر تبذيراً، أخذته العزة بالإثم فقال لصديقه: دعه يفعل ما يشاء ولا خوف على أموالي فلو أشعلت فيها النار لا تحرقها هكذا قال وهذه هي القارونية التي ورثتها بعض النفوس المريضة.
وفي القرآن الكريم نقرأ قصص الأمم الغابرة ممن كانت قوية قوة مادية فبطرت معيشتها وكان عاقبة أمرها الدمار والخسران. قال تعالى: «ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد.
التي لم يخلق مثلها في البلاد. وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. وفرعون ذي الأوتاد. الذين طغوا في البلاد. فأكثروا فيها الفساد. فصب عليهم ربك سوط عذاب. إن ربك لبالمرصاد» سورة الفجر الآيات من 6 ـــ 14، وقال تعالى «أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم قوة، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها، وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» سورة الروم ـــ الآية 9.
وكما أن القوة المادية وحدها قد تقود إلى الغرور والبطر المهلك، فإن القوة المعنوية وحدها دون القوة المادية لا تفيد أو تقود إلى تحقيق النصر حسب ما يقرر الإسلام، ومن أجل ذلك ومن عظمة هذا الدين الحنيف أنه الدين الذي يحتفي بالجانبين المادي والمعنوي في توازن يقود إلى الحياة السوية، فهذا قرآننا ـ يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله ـ (يوجب علينا أن نصحح العقيدة ونهذب النفس ونسمو بالروح، وفي الوقت ذاته يأمرنا أن نعد القوة إلى أقصى ما نستطيع).
قال تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم». إن إسلامنا الذي أمرنا أن نقيم الصلاة ونؤدي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت تزكية لأرواحنا أمرنا من جانب آخر بالجهاد في سبيل الله، وأن نقدم أموالنا وأرواحنا في سبيل إعلاء الحق والذود عن العقيدة من أن نستهدف من الأعداد، وإن الجهاد من أوضح مظاهر القوة المادية.
ونسوق نموذجاً من سلفنا الصالح ممن اجتمعت لديهم القوتان المادية والمعنوية الإمام عبدالله بن المبارك الذي ورد ذكره معنا قبل ذلك وها هو يبرز أمامنا مرة أخرى مما يؤكد عظمة ذلك الإمام الورع المجاهد بماله وبنفسه فقد آتاه الله من فضله الشيء الكثير فلم يبخل به اعداداً للجهاد أو تصدقاً على المحتاجين، وكان مقاتلاً لا يشق له غبار في ميادين القتال، وكان عالماً فقيهاً وشاعراً أثر عنه الكثير من الشعر، من ذلك رسالة شعرية قيل انه بعث بها إلى الفضيل بن عياض يحضه فيها على الجهاد وجاء فيها:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا
لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه
فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل
فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
وثمة أمر لا بد من أن نورده في هذا المقام وهو أن القوة المعنوية العالية مع قليل من القوة المادية تكون الغلبة، وهذا ما حدث في كثير من انتصاراتنا الحاسمة في شهر رمضان وعلى قمتها يوم الفرقان (غزوة بدر) وكان ذلك في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة المباركة وقد انتصرت فيها الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكثيرة الكافرة ذات الإمكانيات المادية الكبيرة وما ذلك إلا لأن الفئة القليلة المنتصرة بإذن الله كانت مشحونة بشحنة الإيمان، وهي شحنة جديرة بأن تدفع الرجال إلى النصر «وما النصر إلا من عند الله».
محمد الطيب عربي