لا يتجاوز عمرها 22 عاماً لكنها تحمل من المثابرة ما يؤهلها لتحقيق حلمها الذي كان يراودها في طفولتها بأن تكون مهندسة طيران، ما دفعها للالتحاق في برنامج تدريب وتأهيل المواطنين الذي تطرحه طيران الإمارات في مختلف التخصصات لتدرس مجال الهندسة قسم الصيانة لمدة خمس سنوات.. لا تزال في السنة الرابعة وتعمل »ميكانيكي طائرات«.. بجهودها وتميزها في العمل أصبحت منذ فترة قريبة مشرفة على ورشتي عمل، كل واحدة تضم من9 إلى 13 شخصاً، وما أن تحصل بمشيئة الله على ما تتمناه في الهندسة ستكون ثاني مهندسة طيران على مستوى الدولة من الإناث بعد زميلتها فاطمة العنيزي.
سلوى خميس المازمي ولدت في منزل معظمه من الذكور ترعرعت بينهم وصار تفكيرها قريباً منهم سواء في اختيار العمل أو مختلف توجهات الحياة، فهي فتاة تحب أن تكون متميزة في حياتها بدءاً من إصرارها على التفوق الدراسي أو تحقيق حلمها بأن تجد نفسها في مهنة المستقبل مهندسة طيران لترضي فضولها الدائم في إدراك كافة التفاصيل الدقيقة المختلفة في الطائرة إلى أن جاء دور صديقاتها اللواتي سهلن لها فرصة الالتحاق بالبرنامج وتحقيق الحلم.. التقيناها وكان الحوار التالي: ٭ كيف ترين البرنامج التدريبي الذي تدرسينه في مجال هندسة الطائرات؟ - يعتبر البرنامج التدريبي الذي تطرحه طيران الإمارات معتمداً من قبل هيئة الطيران المدني ومنظمة الطيران الأوروبية العالمية »آياسا« ويتضمن جانبا عمليا وآخر نظريا حول دروس مختلفة في الفيزياء والرياضيات وأخرى عن انسيابية الطيران وأنظمة التحكم والطائرات.
ودروس حول القوانين والقواعد المختلفة فيها مع أنواع المحركات والمعادن التي تصنع فيها الطائرات.أما الجانب العملي فهو يشكل جزءا كبيرا وحوالي 60% من البرنامج يبدأ من المهارات الأساسية من خلال التعرف على الأدوات التي نستخدمها في صيانة الطائرة من فك وتركيب القطع وفحصها مع الرجوع إلى المراجع المختلفة في صيانة الطائرات، إلى أن نصل إلى السنة الخامسة في الدراسة التي تمكننا من فحص الطائرة بشكل كامل من خلال فك وتركيب المحرك.والفرد المنتسب في البرنامج يمر بمراحل طويلة واختبارات دقيقة حتى يصل إلى لقب مهندس صيانة طائرة سواء من خلال الخضوع إلى امتحانات عملية ونظرية وشفهية وامتحان آخر في السنة الخامسة والذي من خلاله يتم منح شهادة رخصة عالمية لمزاولة هندسة الطيران.
فريق العمل
٭ كيف جاءتك الفرصة للالتحاق بالبرنامج، وما ردة فعل الأهل بأن تكوني في قسم الصيانة؟
- الفرصة جاءتني من خلال صديقاتي بأن طيران الإمارات تطرح برنامجا تدريبيا يتضمن في أحد محتوياته التخصص الذي أريده، وبما أن هذه الشركة عالمية فالكل يطمح بأن يكون واحدا ضمن فريق العمل بها، أما أهلي في بداية الأمر فسيطر عليهم تخوف كبير من طبيعة العمل القاسية التي تعتبر من وجهة نظرهم لا تتلاءم وطبيعة الفتاة.
إضافة إلى أن العادات والتقاليد تجعلهم يتخوفون من العمل ضمن رجال تختفي فيه الفتاة بشكل ملحوظ إلا أن شغفي للعمل جعلني أدافع عن اختياري واثبات قدراتي على النجاح وإقناعهم بالعمل من خلال اجتيازي للاختبارات التي يطرحها البرنامج التدريبي قبل الالتحاق فيه سواء في مجالات الرياضيات أو الفيزياء أو اللغة الانجليزية أو أسئلة الذكاء المختلفة إلى جانب نجاحي في المقابلة الشخصية إلى أن أصبحوا في الفترة الحالية فخورين بي كثيرا كوني متميزة في هذا المجال الصعب.
٭ كيف استقبلك الرجال الذين يدرسون التخصص والعاملون في المطار كونك الفتاة الوحيدة فيه؟
- البعض منهم انتابه علامات استفهام حول وجودي في هذا المكان والعمل في الطائرة، والبعض من فئة الذين يقللون من قدرات الفتاة في العمل الشاق وعدم قدرتها على ممارسة هذه الأنواع الشاقة التي تتطلب جهودا بدينة ودقة عالية، ومنهم من تقبل وجودي فيه، إلا أنني وخلال السنوات الأربع تفوقت وأصبحت مشرفة على ورشتي عمل ما يدل على مدى أهمية أن يلتحق الفرد بالتخصص الذي يريده ويرغب فيه لأن الرغبة تخلق التميز والارتقاء في العمل، إضافة إلى أن طيران الإمارات تسير على سياسة كفاءة الفرد دون النظر إلى درجة العمل.
٭ أين تكمن الصعوبة في مجال صيانة الطائرات؟
- بلا شك مجال صيانة الطائرات من المجالات العملية الصعبة وخاصة للفتيات لما يتطلبه العمل من قوة بدنية صعبة في حمل صندوق الأدوات الثقيل وجلبه إلى حظائر الطائرات والعمل من خلال الفك والتركيب، إضافة إلى أن الطائرة لها هيبتها الخاصة التي تحملني مسؤولية الدقة اللامحدودة في العمل لأن أي خطأ بسيط تكون نتائجه سلبية ووخيمة على الطائرة، لكن التحدي والخوف أوصلاني إلى النجاح.
٭ وما طبيعة عملك حاليا في حظيرة الطائرات، وما المتعة الحقيقية التي تشعرين بها؟
- تعاملت مع طائرة من طراز البوينغ والايرباص، والطائرة عند دخولها في الحظيرة »وهو المكان الذي يتم فيه صيانة الطائرة« تدخل في مرحلتين الصيانة الخفيفة والصيانة الثقيلة وهي الصعبة التي تتطلب تنزيل محرك الطائرة، أما الصيانة الخفيفة فهي طبيعة العمل التي أقوم فيها في الفترة الحالية كميكانيكي طائرات بالعمل في صيانة كل ما يتعلق بالطائرة من الداخل سواء من خلال صيانة المقاعد، النوافذ، المراحيض، أنظمة الأمان، أنظمة الترفيه، المطابخ، والأماكن المخصصة لأطقم الخدمة »مضيفي الطائرة« غرفة الكابتن.
فالمتعة الثمينة التي أمتلكها هي العمل باليد وتحدي الذات من خلال شعور هي بالقيام بصيانة أي قطعة ستكون جزءا من محتويات الطائرة فيما بعد، كما أن ايجابيات هذا التخصص عديدة منها زيادة روح التنافس بداخلي كفتاة بين مجموعة من الرجال بـأن أكون متميزة بينهم وأثبت لهم أن العصر الحالي لا يختلف فيه الشاب عن الفتاة في العمل وأننا قادرات على اجتياز الصعاب بجانب الرجل.
٭ كيف تترجمين شعورك عندما دخلت أول مرة الحظيرة؟
- أول ما دخلت الحظيرة كانت رائحتها مليئة بالشحوم والزيوت التي بالفعل لم أشعر حينها بالضيق بل هذه الرائحة أرجعت لي روحي، خاصة أن أحلى الأوقات التي أستمتع فيها عندما يكون زي العمل »الأفرول« مليئاً بالشحوم والزيوت حتى لحظة رجوعي إلى المنزل فإنني أتناول الطعام وأنا في هذه الحالة ولا تهمني الرائحة التي تنفر أفراد أسرتي حتى أن أخوتي الصغار يظنون أنني أعمل في ميكانيكا السيارات، ولو أن الزمن رجع بي إلى الخلف سأسلك هذا المجال من جديد ولن أتنازل عنه.
إطلاق القدرات
٭ ما تقييمك لوضع الفتاة حالياً في الدولة؟
- مما لا شك فيه أن الفتاة أخذت مكانها الطبيعي في المجتمع باختراق كافة المجالات واستكمال دراستها ليس فقط الجامعية بل العليا سواء بالحصول على شهادة الماجستير أو الدكتوراه في مختلف وأدق التخصصات وفي أعرق جامعات العالم بخلاف السنوات الماضية التي كانت الفتاة تدرس لتعمل في تخصص واحد وهو قطاع التدريس كونه المكان الذي لا يجتمع فيه الرجال.
إلى أن اختلفت الرؤية وتبدلت الأحوال وأصبحت قادرة على التنافس وإظهار القدرات، كما أريد أن أشجعها في الالتحاق بتخصص هندسة الطائرات من أجل تحقيق سياسة التوطين أولا في كافة المجالات العملية من جهة، وزيادة أعداد الفتيات في هذا المجال الشاق من جهة أخرى وذلك لما يغرسه هذا المجال من ثقة بالنفس، وتصحيح طرق التعامل مع الآخرين.
٭ ما الحلم الذي تطمحين في تحقيقه مستقبلاً؟
- أحلم أن أكون مهندسة محترفة في مجال الطائرات وأنال أعلى درجة في هذا المجال وأحقق رؤية قيادتنا الرشيدة بأن فتاة الإمارات بفضل جهودهم وتوفيرهم لكافة الوسائل والأساليب تمكنت من التميز وتحقيق الأحلام وأنه لا يوجد شيء اسمه المستحيل.
٭ كم عدد الساعات التي تقضينها في العمل، وكيف تتمكنين من تنسيق الوقت مع الأسرة؟
- ساعات العمل الرسمية من السادسة صباحا إلى الثانية ظهرا إلا أنني بالفعل لا أنظر إلى الساعة خلال العمل وفي أوقات عديدة تزيد ساعات عملي دون أن أشعر بها لأنني أعشق هذا العمل وأعطيه وقتي ومجهودي، أما أسرتي فإنني أحاول قدر المستطاع أن أجلس معهم لأن أي عمل في الدنيا يضعف قليلا من العلاقات الاجتماعية والأسرية إلا أنني أجتهد في تعويض هذه اللقاءات في فترات إجازة نهاية الأسبوع.
دافع قوي
٭ وهل ستغير العلاقة الزوجية في المستقبل شغفك للعمل خاصة أن الرجل لا يتقبل طبيعة هذه المهن لزوجته؟
- أعتقد أن الجيل الحالي سواء من الذكور أو الإناث أصبح أكثر تفتحا عما قبل وتغيرت النظرة التي كانوا يحملونها حول طبيعة عمل الفتاة ودورها في المجتمع، ولا بد لزوج المستقبل أن يتقبل طبيعة عملي ونجاحي فيه وأن يكون هو الدافع القوي لهذا النجاح ويؤمن بمدى قدرة الفتاة على الانجاز إلى جانب أنني سأحاول تنظيم الوقت والموازنة بين الحياة الأسرية والعملية.
٭ من القدوة التي تقتدين بها في حياتك المهنية؟
- قدوتي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الذي آخذ من مقولاته العبرة في حياتي الشخصية والمهنية ومن بين هذه المقولات التي لها تأثير كبير بداخلي (إن الشخص لابد أن ينظر دائماً إلى الأمام حتى يصل إلى المرتبة الأولى). فغرست تلك المقولة بداخلي الرغبة في تحقيق الهدف والوصول بالطموحات إلى أعلى المراتب.
كما أن كتاب »رؤيتي« بعد قراءته بالكامل ساهم على صقل شخصيتي وفادني كثيراً في حياتي وجعل بداخلي مبادئ في الحياة وزاد من طموحي حتى أثبت جدارتي في العمل وأن يكون لي دور كبير في المجتمع وأن لا تأخذ الفتاة الأدوار الهامشية فقط.
٭ بعيداً عن عملك ما رأيك بالفضائيات وما تحملها من ايجابيات وسلبيات ومدى تأثيرها في جيل اليوم؟
- الفضائيات تحمل من السلبيات الكثير التي أصبح الأطفال من خلالها يتخذون من الأشخاص التافهة نموذجا للاقتداء بهم وتقليدهم بطريقة عمياء دون أن يوجد بداخلهم توعية من المجتمع أو أسرهم بخطورة هذه البرامج أو توجيههم نحو الايجابيات التي تبثها بعض الفضائيات، الأمر الذي يتطلب من أفراد المجتمع كافة التكاتف مع بعضهم البعض من أجل الحد من هذه الظاهرة الخطيرة التي تهدد مستقبلهم بل وستغير من توجهاتهم العملية في المستقبل.
٭ كيف تقضين يومك في رمضان، وما العادات التي تتبعينها فيه؟
- يعتبر شهر رمضان المبارك من الشهور التي أتقرب فيها بشكل كبير إلى الله تعالى من خلال العبادات المختلفة، إلى جانب أنه يتم الالتقاء بالأسرة وأفراد العائلة بشكل كبير بخلاف شهور السنة وذلك من خلال التجمعات اليومية ومجلس الذكر الذي نحرص على تنظيمه كل يوم جمعة يتم من خلاله تبادل الحوارات الدينية والمناقشات حول فتاوى مختلفة، كما أنني أحرص يوميا على تناول "اللقيمات" خاصة التي تصنعها والدتي.
منال خالد