الشجاعة خلق من لا تأخذه في الله لومة لائم سواء كانت شجاعة لسانية كقول الحق لاسيما عند سلطان جائر وهي من أعظم الجهاد وارفعه مكانة ومنزلة، أو كانت شجاعة فكرية يتصدى بها صاحب الحق للحرب الفكرية التي يشنها أعداء الإسلام الظاهر عداؤهم والمنافقون الذين ينخرون في عقول أبناء الأمة بأفكار سوداء هدامة وبحرب على الإسلام والمسلمين فيهاجمون النبي صلى الله عليه وسلم تارة والقرآن تارة ويشككون في السنة تارة ثالثة،

وأصحاب هذه الشجاعة الفكرية يجابهون انتقادات وشبهات هؤلاء المرجفين المضللين، وهناك شجاعة قتالية يتحرك فيها الفرد المؤمن مجاهدا بيده وجسده ولسانه وماله وبكل وسيلة مشروعة لنصرة دين الله ولا يبالي بلوم اللائمين بل يتحمل الضغوط كل الضغوط من مجتمع قد يستخف به ـ عابثا ـ ومن ضغط الفكر العالمي الذي قد يلصق به التهم جزافا كالإرهاب والتخلف ـ مخطئا مضللا بلا شك ـ أو تهمة التهور، ولكنه يلقي كل ذلك وراء ظهره ويمضي في سبيل الله عالما بمسالك دربه واضعا نصب عينيه هدفه ليكون في زمرة من: (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) (المائدة 54).

ولن يتأتى للإنسان ذلك إلا إذا تحرر من رق العبودية لكل ما عدا الخالق المعبود، ويتحرر من حب الحياة ويتسلح بالعلم فقد اخرج البزار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم على بينة من ربكم مالم تظهر فيكم سكرتان: سكرة الجهل وسكرة حب العيش، وانتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل الله، فإذا ظهر فيكم حب الدنيا فلا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر ولا تجاهدون في سبيل الله، القائلون يومئذ بالكتاب والسنة كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار).

وبدون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفقد الأمة خيريتها إذ قال الله تبارك وتعالى: ( كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) (آل عمران110) والرضا بالمنكر وعدم الأمر بالمعروف سببه ـ في الأغلب ـ الخوف والجبن الناجمان عن حب الدنيا أو عن الجهل، ولذلك لابد من علم ولا بد من زهد في الدنيا ورغبة في الآخرة وجرأة على التضحية في سبيل الله وإعلاء كلمته بالنفس والنفيس ولابد من إقبال على الموت في سبيل الله والطمع في نيل منازل الشهداء، لابد من هذا كله حتى تتحقق الشجاعة،

وهذا ما أدركه الصحابة الأجلاء ذلك الجيل الفريد غير المتكرر وغير المسبوق فتخلصوا من الوهن بل لم يكونوا يعرفونه، نعم لم يعرف أي منهم الوهن (حب الدنيا وكراهية الموت) وهذا ما جعلهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عنه حين اخبر انه يوشك أن تتداعى عليكم (على المسلمين) الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها ( وقد تحقق ما تنبأ به المصطفى صلى الله عليه وسلم فهاهي الأمم الكافرة تتجمع على المسلمين وبلادهم منذ سايكس بيكو وحتى الآن ينهشون جسد الأمة وينهبون ثرواتها ويقسمون بلدانها ويفرقونها عملا بمبدأ (فرق تسد) حتى أصبحت أكثر بلادنا كالفسيفساء وإنا لله وإنا إليه راجعون)،

وبعد أن قال النبي مقالته آنفة الذكر سأله الصحابة ظانين أن السبب قلة عدد المسلمين فقالوا: أو من قلة نحن يا رسول الله؟ قال: بل انتم كثير لكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله مهابة من صدور عدوكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. وهنا يسأل صحابة النبي الشجعان المقبلون على ما عند الله عن الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: حب الدنيا وكراهية الموت.

هم يجهلون الوهن ذلك القيد الأرضي الذي يثقل المسلم ويؤخره عن الجهاد سواء بالكلمة أو الفكر أو في ميدان القتال، ونحن نلنا درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف والمتبارز في رسوخ الوهن داخل نفوسنا وما أحمق واعجز نفسا نال منها الوهن فآثرت دنيا فانية على آخرة باقية، ومالت إلى سعادة وهمية مؤقتة تاركة السعادة الحقيقية الدائمة في دار الخلد حيث النعيم المقيم.

وقد ضرب أنبياء الله عليهم السلام أروع الأمثلة في الشجاعة وكذلك العظماء، فهذا نبي الله نوح يتصدى لقومه العابدين للأصنام ويرفض طرد الذين آمنوا، وهذا نبي الله هود يتصدى لآفات قوم عتاة متمردين جفاة كافرين في غير خوف ولا وجل بل قال لهم: (اني اشهد أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون)،

وهذا خليل الرحمن أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يذكر آلهة قومه بالعيب والازدراء والتنقيص لها فيكسر أصنامهم وهو فتى (تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين) وحين سألوا عمن فعل ذلك سخر منهم (بل فعله كبيرهم هذا) ليدركوا أنها جمادات، وحين شرعوا يجمعون الحطب من كل مكان وأرادوا به كيدا حتى أن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق إبراهيم واستمر الأمر أياما ولم يهتز إبراهيم بل زاد يقينا وشجاعة فنجاه الله وجعل قومه الأسفلين (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم)، ومن شجاعته مناظرته من أراد أن ينازع الجليل في إزار العظمة ورداء الكبرياء فادعى الربوبية وهو احد العبيد الضعفاء.