من شيم تجار الحسنات وزارعي أشجار الخيرات وباذري حب الحب في نفوس العباد قضاء حوائجهم والسعي في مصالحهم ونفعهم قدر الجهد والطاقة سواء بالفعل أو القول أو التسبب أو الشفاعة، فإن المسلم لأخيه كالبنيان يشد بعضه بعضا ويسد عوزه، وقد أمرنا سبحانه وتعالى بفعل الخير فقال عز وجل «وافعلوا الخير لعلكم تفلحون».
وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ابي الدنيا وحسنه الألباني «إحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من ان اعتكف في المسجد شهرا.
ومن مشي مع أخيه المسلم في جاجته حتى يثبتها له ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام» فيا لها من منزلة عظيمة ومكانة رفيعة يبلغها العبد بقضاء حوائج المسلمين والسعي في مصالحهم ونفعهم، فيبلغ منزلة حب الخالق الودود الرزاق رب العالمين بل يصير من أحب خلقه إليه سبحانه ويدور في فلك قوله عز وجل «يحبهم ويبحونه» فيشرب من كأس الحب الإلهي.
ويذوق طعمه ويترتب علي حب الله له حب جبريل وأهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض كما أخبرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولاشك انه سينجو من عذاب الله بحب الله له إذ ان المحب لا يعذب حبيبه، كل هذه المكانة والمنزلة ثمنها قليل يسير وهو نفع المسلمين.
وقد أوضح النبي ان السعي لقضاء مصالح الاخوان يفوق درجة الاعتكاف حتى لو كان هذا الاعتكاف في مسجد المدينة ـ ففي رواية قال النبي «أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد شهرا» وكان بالمسجد النبوي الذي تعدل فيه الصلاة ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، فيا له من فضل عميم وخير جم يحصل عليه الفرد بنفع المسلمين فتثبت قدمه يوم القيامة وينال بنفع مسلم ثواب اعتكاف شهر بالمسجد النبوي.
وقد أدرك السابقون هذا الفضل بخدمة المسلمين فكان أحدهم يرى لصاحب الحاجة الفضل عليه فقال الليث بن سعد «من أخذ مني صدقة أو هدية فحقه علي أعظم من حقي عليه لأنه قبل مني قرباني إلى الله عز وجل» يشعر بذلك من يعيشون في بلاد غنية لايجدون أصحاب العوز فيها، ويرى الفضيل بن عياض أن المعروف لا يكتمل إلا « ان ترى المنة لأخيك عليك إذ اخذ منك شيئا، لأنه لولا أخذ منك ما حصل لك الثواب.
وأيضا فإنه خصك بالسؤال ورجا فيك الخير دون غيرك» بل ان بعضهم كان يجعل الصدقة التي يريد التصدق بها في يده ويدعو الفقير إلى أخذها لتكون يد الفقير هي العليا ويد صاحب الصدقة هي السفلى لأن الفقير الذي يقبل الصدقة يصلح للمتصدق بذلك أخراه بينما يصلح المتصدق بصدقته دنيا الفقير فأيهما المتفضل الحقيقي وصاحب المنة الفعلية؟ من أصلح الدنيا أم من أصلح الآخرة؟
ومما يبين علو مكانة أهل المعروف ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وأورده الألباني في صحيح الجامع «إن أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة» وبهذا قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه «يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأظمأ ماكانوا قط، وأنصب ما كانوا قط، فمن كسا لله كساه الله .
ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى الله سقاه الله، ومن عمل لله أغناه الله». لذلك لا تتردد ـ أخي ـ ان تقضي حاجة أخيك، ولو على حساب وقتك أو جهدك، وثق ان الخالق سيكون في حاجتك، يخفف عنك همك ويرفع عنك غمك ويبارك لك في رزقك مصداقا لقول سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته» .
وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني وهو حديث حسن «صنائع المعروف تقي مصارع السوء» لذا واس المؤمنين واقض حوائجهم وأعن الملهوف وفرج عنهم الكروب قربة إلى الله لتكون سببا في رحمة الله ووقاية لك، ويسر على المعسر وكن في عون العبد يكن الله في عونك وضع أمام عينك قوله صلى الله عليه وسلم:
« من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر عن معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسون بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه».(رواه مسلم) .
وليكن في قلوبنا إيمان يبلغ بها الرقة التي من علاماتها البكاء حين يطلب منك أحد العون أو المسألة لأن لم تسبق بها إليه وانتظرت طلبه كما بكى محمد بن سوقة أبو بكر فحين طلب إليه ابن أخيه شيئا فقال له: يا عم لو علمت أن مسألتي تبلغ منك هذا «أي البكاء» ما سألتك، قال «ما بكيت لسؤالك، إنما بكيت لأني لم أبترئك قبل سؤالك».
وليعلم صاحب كل نعمة منا سواء كانت النعمة صحة أو مالا أو ووقتا أو غير ذلك أن من شكرها بذلها في سبيل الله وتقديمها لخدمة المسلمين قدر الطاقة والجهد مع إخلاص النية لله، فبشكر النعمة تجتاز اختارها ويربيها الله لك وإلا تحولت النعمة وزالت كما قال الحسن الصبري: «إن الله ليخول العبد في نعمته وينظر ماذا يصنع فيها مع عباده، فإن وفاهم ماطلبوا والا حولها عنهم ».