إذا حاولنا التفتيش في مصادر الصورة المشوهة للمسلمين في الغرب فقد لا يتطلب الأمر الكثير من الإجتهاد في الإشارة إلى وسائل الإعلام باعتبارها أحد المصادر الأساسية لهذا التشويه.
وهناك جهود رصينة على طريق رصد هذا الأمر سواء على مستوى الغرب أم العالم الإسلامي نقدم منها هنا نموذجين هما الدراسة التي قدمها جو كينشلو وشيرلي شتاينبرغ تحت عنوان «التربية الخاطئة للغرب.. كيف يشوه الإعلام الغربي صورة الإسلام» وتلك التي قدمها الدكتور محمد بشاري تحت «صورة الإسلام في الإعلام الغربي».
من بين النماذج التي تشير اليها الدراستين السابقتين في هذا الخصوص تناول ظاهرة الأصولية أو الإسلام السياسي. فقد أظهر تحليل مضمون لعدد من وسائل الإعلام الغربية أنها تحاول إبراز الحدث بالتكرار المستمر سواء في القناة الإعلامية نفسها أو ببثه في عدة وسائل مختلفة.
فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة الصنداي تليجراف تحقيقا صحفيا حول سيدة بريطانية أسلمت وتزوجت مصريا من جماعة الجهاد الإسلامية وقالت الصحيفة أن زوجها أصدر فتوى بإهدار دمها بسبب هروبها منه نتيجة للخلافات بينهما حول إرتداء الحجاب.
أما بالنسبة للمرأة والتي يحظى وضعها في الإسلام بأكبر قدر من التشويه فإن قضية مثل تعدد الزوجات يتم تناولها باعتبارها ظاهرة تعبر عن الجاهلية، فضلا عن تقديمها وكأنها تعبر عن واقع العالم الإسلامي رغم أنها قد تكون انقرضت في الكثير من المجتمعات الإسلامية.
أما على الصعيد القطري فإن صورة الإسلام لا تختلف كثيرا في الإعلام من دولة أوروبية إلى أخرى، فمثلا لا تختلف صورة الإسلام في النموذج البريطاني عن طبيعة الصورة الموجودة في باقي الدول الأوروبية والتي تصنف الإسلام بالدين البدائي والإرهابي وأنه الدين الذي يتعارض مع الحضارة والبديل عن الشيوعية وأيديولوجياتها خاصة بعد سقوط الإتخاد السوفييتي، وأنه يمثل حضارة قد مضى عهدها.
وعلى مستوى إذاعة مثل البي بي سي فإن دراسة عملية حول صورة العالم الإسلامي في الإذاعات الأجنبية أشارت إلى أن نسبة الأخبار السلبية التي تبثها هيئة الإذاعة البريطانية بلغ 9 ,43% من مجموع ما تبثه عن الدول الإسلامية مقابل 13 ,21% أخبارا إيجابية.
وكشفت هذه الدراسة كذلك عن أن اذاعة صوت أميركا التي أغلقت كانت تستخدم أداة للإساءة إلى الدول العربية والإسلامية التي لا ترتبط مع الولايات المتحدة بعلاقات طيبة أو التي تعارض سياساتها الخارجية في المنطقة العربية.
على المستوى الأميركي وفي سياق تناول ما بعد أحداث سبتمبر تشير دراسة التربية الخاطئة للغرب إلى أنه في إطار تحديد ما يجب القيام به كرد فعل على ما حدث راحت صحافية يمينية هي آن كولتر تكتب ما يلي : نعلم من هم المهووسون بالقتل، هم الذين يبتهجون ويحتفلون في هذه اللحظة بالذات، يجب إجتياح دولهم وقتل قادتهم وحملهم على إعتناق المسيحية.
ويمتد التناول التحريضي ضد الإسلام والمسلمين إلى الكتاب، وفي ذلك فإن الكثير من المسلمين لن ينسوا المواقف التي عبرت عنها الكاتبة الإيطالية أوريانا فالاتشي حيث راحت تكتب في صحيفة كوريري دي لا سيرا الإيطالية الشهيرة: إننا نعيش حربا صليبية قائمة بالفعل، إنكم لا تفهمون ولا تريدون أن تفهموا بأن هناك حربا دينية قائمة.
وحتى لا نكون على شاكلة من ننتقدهم بعدم رؤية سوى جانب واحد من الصورة نشير إلى أنه رغم ذلك فإن هناك بالطبع نماذج إعلامية تدعو إلى فهم العالم الإسلامي.
وإن كانت محدودة ولا تعبر عن إتجاه عام، وهو ما يبقي صورتنا كمسلمين أسيرة مواقف متحيزة، الأمر الذي يصب لجهة تعزيز أجواء الصدام والتوتر، وهو ما يعكس في النهاية مسؤولية غربية يجب عليها القيام بها، تقوم على النظرة العادلة للإسلام والمسلمين قبل أن يطالبنا بتعديل سلوكياتنا.
مصطفى عبد الرازق
