في إصداره الجديد يقدم الكاتب أسامة الألفي دراسة مقارنة في كتابه «حقوق الإنسان وواجباته في الإسلام» ويعد الكتاب استكمالاً لما بدأه المؤلف من إصدارات وهي «لماذا أسلموا ؟ » و«أسرار إسلام عظماء العالم» إلى جانب إصداراته في الاتجاهات الأخرى، مثل كتابه « تطور الشعر العربي في العصر الحديث» وغيرها من الإصدارات المهمة.

يثير المؤلف ثلاث قضايا مهمة وذلك في مجمل رؤيته لموضوع الكتاب، فالقضية الأولى تتحدث عن الحقوق والواجبات في إطار واحد، ويركز المؤلف على عنصر فاعلية الإنسان وهو عنصر يدور حوله الإسلام في كل أهدافه وتشريعاته وكل هذه المعاني تؤدي إلى القضية الثانية في هذا الكتاب.

وهي التي تركز على حقوق الإنسان في الإسلام وليس على حقوق المسلم، أما القضية الثالثة فهي تتعلق بالدراسة المقارنة، وهي التي تضع الإسلام في منطقة الحوار مع الحضارات الأخرى.

يقدم المؤلف دراسة مقارنة عن حقوق الإنسان وواجباته في الإسلام، فهو لم يتحدث عن الحقوق وحدها ولا الواجبات وحدها، ولكنه قام بتناول الحقوق والواجبات في إطار واحد، وبذلك يكون قد اقترب من طبيعة الإسلام الوسطية أو التكاملية، التي تراعي الجانبين.

الحق. والواجب يذكر المؤلف أن الحق في اللغة من أسماء الله الحسنى، ويطلق أيضاً على القرآن الكريم، ويفيد الثبات واللزوم فضلاً عن أنه ضد الباطل،

أما الواجب فيعني الوجوب والإلزام . وقسم الإمام ابن تيمية « الحدود والحقوق» إلى قسمين : أولهما «الحدود والحقوق» التي ليست لقوم معين بل منفعتها لمطلق المسلمين أو نوع منهم وكلهم محتاج إليها، وتسمى حدود الله هي مثل حد قطاع الطرق والسارقين والزناة ونحوهم ومثل الحكم في الأموال السلطانية والوقوف والوصايا التي ليست لمعين، أما القسم الثاني فهو الحدود والحقوق التي لآدمي معين .

وينفي المؤلف ماروج مؤرخو الغرب من الأخطاء، بإعلانهم تاريخ نشوء حقوق الإنسان بالإعلان الفرنسي الصادر في الثامن والعشرين من شهر أغسطس عام 1789 م، واندفاع فريق آخر من أمة الإسلام بتأكيد أن هذه الحقوق نشأت مع بعثة محمد عليه الصلاة والسلام وقيام الدولة الإسلامية، وكلا الرأيين، قد جانبهما الصواب، فحقوق الإنسان موجودة ومعروفة قبل ذلك بكثير .

ففي سورة البقرة قال تعالى مخاطباً آدم عليه السلام: «يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين» إذاً رست هذه الآية الكريمة أول حقوق الإنسان متمثلة في حقي المسكن والمأكل.

كما قررت في المقابل واجباً على أبي البشر آدم وزوجه حواء، هو ألا يقرب الشجرة المحرمة . ثم كانت بعثة الرسول. فتكاملت حقوق الإنسان مع اكتمال رسالته في تشريع سماوي بديع، ربط مسألة إيمان الفرد برعايته لها . ويفرق المؤلف بين الشريعة .

والدستور . فالحقوق في شريعة الإسلام هي منحة من الخالق ـ عز وجل ـ ومن هنا لا يجوز لبشر أن يتعداها، يقابلها الدستور في الدول الأخرى. فالدستور المكتوب رسمياً يصدر عن الدولة بطريق المنحة من الحاكم للشعب، وقد يصدر نتيجة تعاقد وتصالح بين الحاكم والشعب ويكون عادة في أعقاب ثورة، وكما أن القواعد الدستورية تصدر عن الدولة فإنها تعدل وتلغى عن طريقها أيضاً، وأحياناً تلغى عن طريق الثورة .

الوقوف مع الحق . وحمايته يشير المؤلف إلى قواعد وضعها القرآن الكريم للمجتمع المسلم للوقوف مع الحق في حالة عجز صاحبه عن نيله منها القتال لنصرة المستضعفين في الأرض قال تعالى :

«ومالكم لا تقاتلون في سبيل لله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها» أما عن الواجبات فيقول المؤلف، مثلما للإنسان حقوق، فعليه في المقابل واجبات، حتى لقد ارتبط الحق بالواجب في علاقة تلازم بحيث يستحيل الفصل بينهما. فالعمل مثلاً حق لكل إنسان، وفي الوقت نفسه واجب عليه، وقد قال تعالى: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون». والواجبات في الإسلام نوعين :

واجب غير مقدر، مثل: الصدقات، وواجب كفائي ينقسم إلى عيني وكنائي، فالعين يناط بكل مكلف ويتوجب فعله على كل فرد، ولا يسقط عن الشخص بقيام الآخرين به، مثل أركان الإسلام، فيما يتوجب الواجب الكفائي إلى مجموع المكلفين، وليس إلى كل شخص على حدة مثل فريضة الجهاد، وصلاة الجنازة ورؤية الاهلة، وغير ذلك.

ويقسم المؤلف حقوق الإنسان في ميزانية الشريعة الإسلامية إلى: الحقوق العامة، الحقوق الأسرية، الحقوق الاجتماعية، الحقوق الاقتصادية، الحقوق الفكرية والسياسية، فالحقوق العامة تتفرع من حق الحياة .

فالحياة البشرية هبة من الخالق ـ عز وجل ـ ومن هنا حرصت الشريعة الإسلامية على تأكيد حرقها، فقتل النفس من الجرائم مشددة العقوبات حتى لقد قرنها الشارع الحكيم بقتل الناس جميعا من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً . ويقول المؤلف عن حق التعلم ان أول كلمة نزلت بها الوحي على سيدنا محمد هي «اقرأ».

وقد أعلن الرسول «أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» بل انه عليه الصلاة والسلام جعل مزية الأسير فيذكر المؤلف حق الوليد في تسميته باسم حسن ومناسب، فأكد عليه الصلاة والسلام على ضرورة اختيار الأسماء الحسنة غير المنفرة لإطلاقها على الأبناء. أما عن حقوق الزوجين.

فالزواج في الإسلام أسمى ألوان الارتباط، حتى لقد وصفه الخالق المتعالي في كتابه المحكم بالميثاق الغليظ، والنظرة الإسلامية إلى الحياة الزوجية على أنها سكن ومودة ورحمة، «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة» .

وينتقل المؤلف إلى الحقوق الاجتماعية. وعن حق حرمة المسكن يقول: إن شريعة الله تميزت عن غيرها بالسمو الأخلاقي، لهذا نص الشرع على حرمة المسكين باعتبار مسكن الشخص احدى حضوصياته فلا يجوز دخوله إلا بإذن صاحبه، القرآن الكريم يقول « لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها».

ومن الحقوق السياسية والفكرية، يتحدث المؤلف عن حق الراعي وحق الرعية، فيقول: جعل الإسلام لولي الأمر حقوقاً على الرعية، يأتي في مقدمتها ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم» وطاعة ولي الأمر ليست حقاً مطلقاً بلا ضوابط، لكنها حق يقيده الشارع بتطبيقه شرع الله، فمن حق الحاكم على الرعية أن تعينه على أداء واجبه، وتنبهه إذا أخطأ.

ومن حق الرعية على الراعي أن يبني حكمه على أساس من العدل والشورى، ووضع القرآن الكريم الحلول حين يتنازع الراعي والرعية على أمر من الأمور في قاعدة فقهية بسيطة وواضحة توضح صورتها الآية الكريمة، (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) ويرى المؤلف أن حق إبداء الرأي، يدخل في إطار الحقوق العامة للإنسان، فالإسلام قد كفل حرية الرأي، وجعلها حقاً ليس للمسلم وحده، وإنما لسائر البشر، وأتاح لهؤلاء جميعاً إبداء رأيهم.

الإسلام وحقوق المرأة يذكر المؤلف حال المرأة في العصور القديمة التي سبقت بعثة محمد ، فكانت لا تعدو أن تكون مخلوقاً وجد لخدمة الرجل ومتعته وكانت تباع وتشترى وترهن توأد، ولا ترث مع أخوتها الذكور. وجاء الإسلام ليجد المرأة في أدنى مراتب المجتمع عليها واجبات.

وليس لها حقوق، فهي تورث كرها، إذا مات زوجها إذ يحق لابنه أن يتزوجها غصباً وهو ما كان يسمى بنكاح المقت. ويقول المؤلف عندما جاء الإسلام، لم تكن شريعة الله التي نزلت بالحق على عبده ورسوله محمد لتقبل هذا التميز أو التمايز، الذي سلب الحقوق التي منحها الخالق ـ عز وجل ـ للمرأة، وهي حقوق تتساوى مع تلك الممنوحة للرجل إن لم تزد.

فلقد ارتفع الإسلام بالمرأة وكرمها : أما، وأختاً، وزوجة وابنة، وخصها بالتكريم في أكثر من آية كريمة وحديث شريف، وفرض عليها من الواجبات ما يتناسب وطبيعة الأنثى، تطبيقاً للمبدأ القرآني «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها».

معنى القوامة يرى المؤلف أن التفرقة بين الرجل والمرأة في بعض الأمور، جاءت في مصلحة المرأة، فحق القوامة الذي أنيط بالرجال دون النساء هو رفع العبء الضخم عن كاهل المرأة، لأن الرجل بموجب حق القوامة مكلف بالعبء الاقتصادي للأسرة فهو المسؤول عن جميع المتطلبات المادية للحياة الزوجية.

وليس معنى القوامة أن يستبد الرجل بالمرأة ويعاملها كأنها شيء يمتلكه، فقوامة الرجل على المرأة لا يسقط حقوقها الشرعية، فالمرأة المسلمة حين تتزوج تحتفظ باسمها وشخصيتها، وهذا حق لم تحصل عليه المرأة الغربية التي تفقد بزواجها اسم عائلتها وتنسب غضاً إلى عائلة الزوج.

ويذكر المؤلف حقا من الحقوق التي قررها الإسلام للمرأة وهو حق اختيار الزوج، فليس معنى وجود ولي للمرأة يجبرها على الزواج ممن تكره، أو من لا تريده، فالركن الحقيقي في الزواج يقوم على رضا الطرفين محل العقد، وكما أقر المشرع الحكيم بحقها في اختيار زوجها، فقد أمر بحقها في المهر، وهو حق لها هي وليس لوليها كما يحاول المستشرقون تصويره بهدف إظهاره بأنه ثن بيع المرأة للرجل، قال تعالى : «وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ».

ويذكر المؤلف أن للمرأة الحق الذي أعطاه إياه الشارع في طلب التطليق، إذا أهمل الزوج الحقوق الزوجية أو يخالط جلساء السوء أو يقتر على المنزل . أو تسريح بإحسان وقوله :

«فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف»، أما إذا كان الطلاق لسبب منها كأن لا ترغب فيه، فإن لها أن تخالعه على عوض لقوله تعالى : «فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به» .

ويعرض الكتاب نماذج من أمثلة أكثر لمواقف ونجاحات حققتها المرأة المسلمة، بفضل ما منحها الإسلام من حقوق وحريات، فأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، أول فدائية عرفها المجتمع البشري، تسير الليل تحمل الطعام والشراب إلى رسول الله ، وصاحبه أبو بكر الصديق في مخبأهم بالغار .

ويغوص المؤلف في تاريخ المرأة أكثر لنجد أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما، تخوض المجال السياسي، لتكون أول امرأة مسلمة، بل أول امرأة في العالم تترأس حزب معارض للسلطة في موقعه الجمل .

ويبين المؤلف موقف شجرة الدر عندما اخفت خبر موت زوجها الصالح أيوب حفاظا على معنويات الجيش المصري الإسلامي وهي يرد جحافل الغزو الصليبي، وبعد عرض تلك النماذج للمرأة المسلمة، فيكون ذلك خير رد على من يدعي أن المرأة المسلمة لم تنل حقوقها في ظل الإسلام.

عن الحقوق والواجبات في الإسلام. بين النظرية والتطبيق يقول المؤلف إن شريعة الإسلام، رحمة للبشرية وإسعاداً لها، فالحقوق والواجبات التي قررتها الشريعة الإسلامية لا تسري على المسلم وحده، فهي شاملة لكل الإنسانية.

ويعني بذلك أن على المسلم بأن ينقل إلى إخوته في البشرية الصورة الحقيقية للإسلام، كدين سماوي يقوم على الرحمة والعدل، ليس كما تزعم الدعايات المغرضة التي تطعن في دين الله، وتزعم كذبا أنه انتشر بحد السيف، وخير مثال على ذلك مبادرة شخصيات عالمية من أديان مختلفة تحتل مكانة مرموقة في مجتمعها إلى اعتناق الإسلام غير عابئة بما قد يصيب مكانتها أو شخصها من أذى.

ويذكر المؤلف من هؤلاء المحامي الهندي هيرالال غاندي، والمفكر اليهودي النمسوي ليوبو لدفايس الذي صار اسمه بعد إسلامه «محمد أسد» وغيرهم .

القاهرة: وكالة الصحافة العربية