إن المسلم الحقيقي يجب عليه أن يعلم علم اليقين ويعتقد اعتقادا جازما أن جميع الأعمال التي يشرع في عملها مكتوبة ومقدرة له في اللوح المحفوظ خيرها وشرها باطنها وظاهرها فالله سبحانه وتعالى قدر في علمه خلق الأفعال كلها صغيرها وكبيرها فما على الإنسان إلا أن يختار وينتقي الطريقة المثلى في كسب الأفعال الخيرة التي تؤدي إلى سعادته فكما أن الإنسان يستطيع أن يفرق بين الجمرة والتمرة والحلو والمر والعذب والمالح فبعقله أيضا يستطيع أن يدرك.
ويميز بين الخير والشر والنافع والضار فالكل يعلم أن النار محرقة وأن الفواحش ما ظهر منها وما بطن مهلكة وعواقبها وخيمة سواء أكانت هذه الفتن تقع على المجتمع أو الفرد وقد تظهر هذه العواقب جلية للإنسان ليتدبر هو أولا وغيره كيلا لا يقع هو في المحذور مرة أخرى.
وكذلك سائر الشرور يعلم الإنسان أنه لا فائدة منها وهي تهلك الأمم وتبيد الشعوب، وهكذا الحال بالنسبة لسائر العقلاء يدركون عواقب الفتن ويعرفون خطورتها ويقاومون وساوس الشيطان وطرق غوايته بطرق مختلفة. فالطبيعة البشرية خلقت وجبلت على الفطرة الخيرة فهي تحب الخير وتستأنس له وتكره الشر وتشمئز منه.
وهنا نقطة مهمة يجب توضيحها وهي وقوع الفتن المهلكات أو الشرور والمصائب التي تحدث للناس، فقد يقع الإنسان في مصيبة ما والشائع بين بعض الناس أن هذا الأمر مكتوب ومقدر، مثل أن يسرق الإنسان أو يزني أو يقتل نفسا بغير حق...
فإذا ما ارتكب الإنسان هذه الأفعال وغيرها؛ لايقول إن الله تعالى قدر هذا وهذه إرادة ربانية فهذا القول لا يجوز في حق الله تعالى ويجب على الإنسان تنزيهه عن ذلك، فالله سبحانه لا يأمر بالفحشاء وعمل سائر الشرور بل العكس أنه يحث عباده على فعل الخير والتمسك به ونهى عن الطريق المضاد لذلك، وقد عاب على الأقوام السابقين عندما (فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) «الأعراف/28 فكيف يأمر الله الإنسان بفعل شيء .
وهو قد حرمه عليه وأمره باجتنابه؛ فالله سبحانه وتعالى (لا يأمر بالفحشاء إطلاقا ـ والفاحشة: كل ما يفحش أي يتجاوز الحد ـ والعري من هذه الفاحشة، فالله لا يأمر به. وكيف يأمر الله بالاعتداء على حدوده؟ والمخالفة عن أمره بالستر والحياء والتقوى؟
ومن أعلمهم بأمر الله ذلك؟ إن أوامر الله وشرائعه ليست بالادعاء. إن أوامره وشرائعه واردته في كتبه على رسله. وليس هناك مصدر آخر يعلم منه قول الله وشرعه. وليس لإنسان أن يزعم عن أمر أنه شريعة الله، إلا أن يستند إلى كتاب الله والى تبليغ رسول الله. فالعلم المستيقن بكلام الله هو الذي يستند إليه من يقول في دين الله وإلا فأي فوضى يمكن أن تكون إذا قدم كل إنسان هواه، وهو يزعم أنه دين!!
إن بعض الناس يقولون كلاما متشابها لما قاله الأولون تسود فيهم تصورات متشابهة، على تباعد الزمان والمكان ونحن نعيش في هذه الأيام لا يفتأ علينا كاذب يقول ما يمليه عليه هواه ثم يقول: شريعة الله! ولا يفتأ يطلع علينا متبجح ينكر من أوامر الدين ونواهيه المنصوص عليها، وهو يقول: إن الدين لا يمكن أن يكون كذلك!
إن الدين لا يمكن أن يأمر بهذا! إن الدين ينهى عن ذاك،....) وحجته هو وغيره الهوى واتباع الأدلة الضعيفة أو المحرفة التي تزعزع العقيدة أو التي قد تخدم المصالح الدنيوية فالله سبحانه وتعالى وصف نفسه بصفات الكمال والجلال فمن المحال أن يخالف ذلك القول الفعل فهو جل جلاله وتقدست أسماؤه قد أمر الناس وحثهم على( العدل والاعتدال في الأمور كلها لا بالفحش والتجاوز.
وأمر بالاستقامة على منهجه في العبادة والشعائر، والاستمداد مما جاء في كتابه على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يجعل المسألة فوضى، يقول فيها كل إنسان بهواه، ثم يزعم أنه من الله. وأمر بأن تكون الدينونة خالصة له.) هذه هي الحقيقة المطلقة التي يجب على المسلم أن يعلمها ويبني اعتقاده الجازم عليها.
فمن الله تعالى الفعل وعلى العبد الكسب فزوده بالقدرة على المعرفة للتمييز بين الخير والشر وقد بين له طريق الوصول إليه ثم تركه ليختار طريقة الكسب(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) «الإنسان2/3