(سعيد الطه) فنان تشكيلي سوري من مواليد حلب عام 1951. درس فن الحفر والطباعة في كلية الفنون الجميلة بدمشق، لكنه توجه لإنتاج اللوحة الحروفية المتماهية، بنزعة تصوير حداثية.
وهذه اللوحة، باتت تشكل اليوم عنواناً عريضاً لتجربته المجتهدة والمتميزة، ليس على صعيد التشكيل السوري فحسب، بل والتشكيل العربي، لما تحمل من مقومات التفرد والخصوصية والحداثة القائمة في الأصل، على القدرات التشكيلية والتعبيرية للحرف العربي.بدأ الفنان سعيد الطه تجربته الفنية واقعياً تعبيرياً، ثم اتجه نحو الاختزال والتلخيص، ليصل في النهاية إلى لوحة جديدة لا تشير إلا له، مؤلفة من مساحات لونيّة مدروسة الدرجة، والوقع، والحركة، تحتضنها أشكال حروفيّة ونباتيّة وهندسيّة، برع الفنان في عملية توزيعها ضمن معمار اللوحة وتكوينها، وبروح حداثية واضحة، تنم عن اطلاعه وخبرته، في التعامل مع اللون والرسم في آنٍ واحد، ومع البناء التشكيلي المعاصر، للأعمال التجريديّة الجادة والمقنعة.
فقد ذهب الفنان سعيد الطه، في لوحته الحروفيّة الأخيرة، بعيداً في الاختزال والتجريد للعناصر المكونة لها، والتي تحولت إلى أشكال هندسية، تحاورها خطوط وموتيفات مرسلة، حانية ومنحنية، تتماهى بأوراق النباتات.
لقد وفق الفنان الطه، بإقامة حالة من الحوار المتكافئ والمنسجم، بين الأشكال الهندسية الصارمة، وبين الأشكال النباتية الطرية والمنحنية، أو بتعبير آخر، بين مقاطع من الزخرفة الهندسية، وأخرى من الزخرفة النباتية، وبين ليونة ومطواعية الحرف العربي، وحدية وصلابة الأشكال المغلقة وذات الزوايا الحادة التي يشكلها المثلث.
يقول سعيد الطه، إنه في هذا التوجه الفني الحروفي، ينهل من المعين الثري للفن الإسلامي. وبالتحديد من الفكر الصوفي في الإسلام، وهو يلتقي في هذا الاتجاه مع فنانين كثيرين في المغرب العربي والعراق، ينتهجون ذات النهج، وينهلون من نفس المنهل.
في لوحته الجديدة، غادر الفنان سعيد الطه الاتجاه الذي كان قد بدأه أثناء وجوده في محترفات كلية الفنون الجميلة بدمشق وعقب تخرجه منها عام 1977.
والقائم على نوع من الانطباعية الوادعة الرافلة بتدرجات لونية شفيفة مشبعة بالشعر والرومانسية، وحاضنة لأشكال بيوت مجمعة فوق بعضها البعض، مزنرة باللون الذهبي والأخضر الغامق، تطل منها القباب والهلال المفتوح على السماء، عاكساً رغائبه المتطلعة إلى عالم مسكون بالرهبة والغموض.
غادر الفنان الطه هذه العوالم، إلى لوحة حروفيّة تجريديّة جديدة، تذهب بعيداً في الفكر الصوفي المرصود على جملة من المفاتيح، قد لا يصل إليها المتلقي العادي، لكنه لابد له من الاستمتاع بما يسبح فوق سطحها من أشكال وألوان وحروف، تتمحور حول تكوين مدروس، يضج بالحركة والصمت في آنً معاً.
سعيد الطه بلوحته هذه، يغرد خارج السرب الحروفي العربي والإسلامي. لوحة تتماهى فيها الخواص التقانيّة للصورة والمحفورة والعمل الغرافيكي، وهي منسوجة بروحيّة تجريديّة حروفيّة، ساحرة الألوان، متينة البناء التشكيلي، قد تطرب العين، وتدغدغ الأحاسيس، لكنها لا تقدم مضموناً محدداً، وإنما تفتح أمام المتلقي، عالماً مبهماً، عليه أن يجتهد في تأمله، للوصول إلى الرسائل السريّة الصوفيّة التي أودعها الفنان بين جنباته.
د. محمود شاهين