باعتبار أننا نعيش في زمن العواصف حيث تصنع الظروف الإنسان ولا يصنع الإنسان الظروف، فإن الميل إلى معرفة شيء عن اليوم أو الغد أو المستقبل القريب والبعيد يزداد يوماً بعد يوم ومن غير المنجمين والمنجمات قادر على العبث بآمال ومخاوف وآلام الناس.
في أيام شبابنا وطفولتنا كان التنجيم مهنة حثالة الناس يغطون به التسول، وكان المنجم أو المنجمة يتطفل أو تتطفل على الزبون الجالس في حديقة أو مقهى ولا يمكن اقتلاعه إلا بدفع المعلوم.
أما اليوم فالتنجيم أصبح مهنة الأكابر وللزبائن الأكابر، وأصبح الزبون هو الذي يقصد المنجم ويبحث عنه ويرجوه أن يخبره بما ستجري به الأيام، كما أصبح المنجم يحمل (اللاب توب) الكمبيوتر المحمول الخاص به ويذهب إلى التلفزيون أو يستقبل زبائنه في مكتبه بدل أن يلحق به ويفتش عنه في الطرق والحدائق وبدل أن يحمل الأصداف (الودع بلهجة منجمي أيام زمان).
في المأثور عن النبي الأعظم اللجوء إلى المنجمين من الكبائر، ومن يلجأ إليهم حتى وهو غير مصدق لهم، يعني على محمل التسلية، لا تقبل منه صلاة أربعين يوماً، وقديماً قيل كذب المنجمون ولو صدقوا، ولكن من يلتفت اليوم إلى الكبائر ويحرص على تجنبها ؟! ومن يسلم أمره لله ويعلم أن الغيب من شأنه وحده سبحانه وتعالى.
زبائن المنجمين ذوو الخمس نجوم اليوم هم حكام ووزراء وأساتذة جامعات وفنانون وفنانات، وهؤلاء الذين يفترض أنهم النخبة المتعلمة والطليعية في المجتمع يحصلون على تنجيم خاص عند أشخاص نادرين لا يسهل الوصول إليهم لعامة الناس، وهم يدفعون مقابل ذلك مبالغ لا يسهل دفعها عند عامة الناس.
تصور معي ما الذي سيحدث عندما تتوقف القرارات المصيرية والحروب والإنتاج الفكري والفني على أكاذيب المنجمين، إنه أمر يصعب فهمه وتقبله ولكن هذا ما يحدث فعلاً والسير الذاتية وفضائح المنجمين تشهد على ذلك.
رجال أعمال ينتظرون قرار المنجم قبل الإقدام على مشروع أو صفقة، ومقاولون لكل شيء وفي كل شيء ينتظرون الضوء الأخضر من المنجم ليقدموا على ما يفكرون به، ثم نتحدث عن عوائق النهضة وعثرات التنمية ونكبات السياسة وخسائر الحروب.
في رأس كل عام تنشر بعض المنجمات الشهيرات كتباً عما سيحدث لأصحاب الأبراج طيلة العام شهراً بشهر ويوماً بيوم، وتبيع كتب كل منجمة منهن ما يزيد على ما يباع من كتب أخرى حتى مؤلفات أصحاب جائزة نوبل وحتى المؤلفات الإسلامية القديمة والحديثة.
الموضوع أقرب إلى الهوس الذي تغذيه المخاوف المبالغ فيها والآمال التي هي أقرب إلى الأطماع، عندما يبيع كتاب لمنجمة ما عشرات الآلاف من النسخ بينما لا يبيع كتاب مرموق ذو موضوع مرموق لكاتب مرموق أكثر من مئات أو عشرات، والمصيبة الأكبر أن هذا الإقبال على التنجيم يعكس ثقافة جيل أو جيلين... ثقافة الاستسلام والتسليم للظروف وانتظار التغيير من الحظ أو الأقدار فنحن في النهاية أمام أجيال مشلولة.
في ليلة رأس سنة الـ 2004 كنت في البيت جالساً مع والدتي أطال الله في عمرها نتابع برنامجاً على قناة فضائية يخص رأس السنة، ويومها تضمنت فقرة من البرنامج حديثاً لمنجمة مشهورة تحدثت باختصار عن حظوظ أصحاب الأبراج للعام بالكامل.
وأذكر يومها أنها -لا فض فوها- تنبأت لأصحاب برجي بأن العام سيكون كارثياً بالنسبة لنا... صحياً ومهنياً وعاطفياً، وأنه لا مخرج لنا إلا بشراء كتابها الذي سيعيننا على التعامل اليومي مع المصائب والصعوبات بأقل ما يمكن من الخسائر، ثم طمأنتنا أن النصف الثاني من السنة سيكون أقل وبالاً من النصف الأول...
ضحكت يومها والوالدة على هذا التنبؤ بالطريق المسدود في وجهي، ثم حملت معي هذه الطرفة طيلة العام لأضحك ويضحك غيري على هذه النبوءة التي بفضل الله لم يتحقق منها شيئ.
وأخيراً قدمت شركات الاتصالات خدمة التنجيم عبر الهاتف، حيث يتصل الزبون برقم من الأرقام الطويلة المنبئة بغلاء سعر الدقيقة، وهو يتصل كل يوم ليستمع إلى صوت المنجمة فلانة أو علانة وهي تخبره كيف يتصرف يومها وماذا يأكل وهل يصطدم مع الشريك أو يجامله وهل يقبل على مشروع مالي وهل يخرج من البيت مساءً أو يبقى معتصماً في أمان.... ويطول الاتصال في تفصيل تخفق له قلوب الأغبياء ليدفعوا في النهاية مبلغاً وقدره...
أخطر ما في الموضوع أن عقلية التنجيم تعني عقلية التسليم... والتسليم هنا ليس لله الذي يأمر بالسعي ولكنه للظروف والصدف والأقدار مما يجعل صاحبه مشلولاً تماماً، وإذا نظرنا إلى انتشار المنجمين في كل وسائل الإعلام ومبيعات كتبهم وخدماتهم الهاتفية وجدنا أنفسنا وجهاً لوجه أمام... شر بلية آخر يضحك ويبكي.