قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «أنا أهل أن أُتقي فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهاً فأنا أهل أن أَغفر له» أخرجه أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه إن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنه، والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح. «ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ» الحج32.

فإن كلمة التقوى تعني اجعل بينك وبين غضب ربك وقاية بإنفاذ أوامر الطاعة واجتناب ما نهى الله تعالى عنه.

فالذين يتقون الله لا يظنون أنهم زهدوا في هذه الحياة لذات الزهد فيها، ولكن للطمع فيما هو أعلى منها، إنه الطمع في النعيم الأخروي.

المتقون هم الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، أو يرجون رحمته في التصديق بما جاء منه .

واتقوا حين تأتي في القرآن الكريم في قول الحق: «واتقوا الله» البقرة 18.

وتأتي مرة أخرى «واتقوا النار» فهما ملتقيان فاتقاء النار حتى لا يصاب الإنسان بأذى وعندما يتقي الإنسان الله فهو يتقي غضب الله لأن غضب الله تبارك وتعالى يورد العذاب والعذاب من جنود النار.

وقوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ» آل عمران 102.

حق التقوى بأن يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى فقالوا يا رسول الله ومن يقوى على هذا فنسخ بقوله تعالى «فاتقوا الله ما استطعتم» التغابن 16.

أي أن حق تقاته فيما أمركم به وما استطعتم فيما نهاكم عنه والمتقين تحدث عنهم رب العالمين وصفاتهم في قوله تعالى: «وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» آل عمران 130 أي نتقي الله بعمل الطاعات وترك المعاصي «الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» آل عمران 131 (الذين ينفقون) في طاعة الله (في السراء والضراء) اليسر والعسر (والكاظمين الغيظ) الكافين عن إمضائه مع القدرة (والعافين عن الناس) ممن ظلمهم أي التاركين عقوبتهم (والله يحب المحسنين) بهذه الأفعال، أي يثيبهم «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» آل عمران 132.

(والذين إذا فعلوا فاحشة) ذنباً قبيحاً كالزنا (أو ظلموا أنفسهم) بما دونه كالقبلة (ذكروا الله) أي وعيده (فاستغفروا لذنوبهم ومن) أي لا (يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا) يداوموا (على ما فعلوا) بل أقلعوا عنه (وهم يعلمون) أن الذي أتوه معصية، فجزاؤهم مغفرة من رب العالمين وذلك في قوله تعالى: «أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ» 133 أي مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها (ونعم أجر العاملين) بالطاعة هذا الأجر.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء والأخفياء والأنقياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة».

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: خمس ظلم وخمس أنوار:

حب الدنيا ظلمة، ونورها التقوى، الذنب ظلمة، ونوره التوبة، القبر ظلمة، ونوره لا إله إلا الله محمد رسول الله، الآخرة ظلمة، ونورها العمل الصالح، الشرك ظلمة، ونورها اليقين والإيمان بالله عز وجل.

فاللهم اجعلنا من أهل التقوى وأهل المغفرة.

إلهي أغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح للسائلين.

إلهي نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. إلهي يا جميل العفو أذقني برد عفوك، وحلاوة مغفرتك.

إلهي إن لم أكن أهلاً لذلك فأنت أهل لذلك.

إلهي يا من أنت أهل التقوى وأهل المغفرة.

اللهم ربنا أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني.

أسألك بقوتك وضعفي وبغناك عني وفقري إليك.

هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك.